العدد 1920
الخميس 16 يناير 2014
حكومة بغداد تخلط الأوراق لتصفية الحسابات (3) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 16 يناير 2014

الدول العظمى وما أدراك ما هي، اتخذت مواقف ملتبسة وملبسة من أحداث المنطقة، حتى لم يعد في ضوء المعطيات الجزم أن كل دولة منها تتخذ قراراتها بنفسها وفق إستراتيجية مصالحها، أم أن بينها تفاهم وتنسيق خفي وتقاسم ضمني للأدوار ينظم خلف الكواليس، ويقفون خلف دول تتدخل بالوكالة عنهم؛ لإثارة الفتن والتطاحن الطائفي والعرقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي بخلط الأوراق وإشعال حروب تصب نتائجها في مصلحتهم، بيع سلاح، وسرقة ثروات، وإهدار أموال، وتحصين إسرائيل، ومساومات مشبوهة وفق إستراتيجية محسوبة ومتفق عليها سلفا.
ويبدو مهما اختلفت مصالح الغرب والشرق اتفقا أن النزاعات داخل أي بلد عربي، أو بين الحكومات تصب في مصلحتهما، وأن لهما فيما يجري من صراع بسوريا والعراق ومصر واليمن ولبنان والسودان واستمرار النزف الدموي مصلحة ومغنمة، ولذلك سمحوا لرؤوس الأنظمة الأسد والمالكي والسيسي وصالح ونصر الله ونجاد أن يفعلوا ما يشاءون بشعوبهم، وعدم اتخاذ أي قرار حازم ينهي المآسي الإنسانية، بذريعة أن ما أصاب أميركا في العراق جعل الدول العظمى المعنية بالسلم العالمي تؤثر السلامة تحت عباءة الحلول السياسية حين لا تستدعي مصالحها التدخل، شعار حق أريد به باطل، أما حين تتضرر وتقتضي مصالحها تتدخل من دون اللجوء إلى مجلس الأمن كما تدخلت روسيا في دعم الأسد ضد المعارضة، وفرنسا في مالي، وإفريقيا الوسطى، وفتح الباب أمام دول لها طموحات تاريخية مثل إيران وتركيا ودول أخرى صغيرة تمتلك فائضا في الدخل تدس أنفها في قضايا دول إقليمية لا تعنيها، في ظل تراخي النظام الدولي وتكاسله. فوقع العراق وسوريا واليمن ولبنان ومصر والسودان والخليج في دائرة الاستهداف.
الأسد منذ ثلاث سنوات يمارس بحق شعبه عملية قتل يومي ممنهج أودى بحياة مئات الآلاف، وشرد ملايين الأسر وحطم البنية التحتية، ويستخدم الطيران والبوارج والدبابات وصواريخ كروز مدعوما بالحرس الثوري الإيراني وعصابات حسن نصر الله ممولا بالسلاح الروسي، والدول الغربية الكبرى لا تحرك ساكنا، متذرعة باستخدام روسيا الفيتو بمجلس الأمن، وبالخوف من وجود منظمات إرهابية كداعش التي يتهم النظام بصناعتها تحارب مع المعارضة، وهكذا تخلط الأوراق كما تخلط اليوم في الرمادي، أما الفلوجة فيؤكد المتابعون أن لا وجود لمسلحي داعش فيها على الإطلاق إلا في تصريحات المسؤولين الحكوميين؛ ليبرروا دخول الجيش إلى المدينة وكسر اعتصام أهلها وإذلالهم بحجة تصفية داعش، وهو ما يعكس غضب العشائر ووقوفها ضد دخول الجيش إلى الفلوجة.
المالكي إبان حقبة حكمه اعتقل ربع مليون مواطن عربي سني رجالا ونساء خارج نطاق القانون بمداهمات ليلية متعسفة تحت طائلة مادة “أربعة إرهاب” عذبوا واغتصب بعضهم وأخذت منهم اعترافات وهمية وحكم على كثير منهم بالإعدام ظلما، وما زال نصفهم يقبعون في السجون أكثرهم بلا محاكمة، ناهيك عن التمييز الطائفي في الوظائف والمكتسبات فضلا عن الفساد والسرقات. وحين تظاهرت ست محافظات واعتصم أبناؤها على مدار عام كامل للمطالبة بحقوق مشروعة لم يلتفت لهم الساسة، بل اتهموا بالطائفية وأنهم ملاذ للقاعدة والإرهاب وورموا بأقذع الأوصاف وأبشعها، واغتيل كثير من قياداتهم بحوادث غامضة، واعتقل آخرون، وهدد المالكي وتوعد، وفض اعتصام الحويجة بمجزرة، ولم تنفع مناشدات العقلاء ولا شفاعة البرلمانيين، وظلت أميركا والدول الكبرى صامتة لا حس ولا خبر.
استمرت الاعتصامات السلمية في الأنبار وخمس محافظات، وسمح المعتصمون للشرطة المحلية بتفتيش المخيم متى شاءت لتأكيد سلميته وخلوه من القاعدة، لكن حكومة بغداد لم تقتنع، وتصر على فض الاعتصام بالقوة لكسر صمود المعتصمين وهيبتهم، ولجأت إلى قلب الحقائق وخلط الأوراق لتصفية المزيد من الخصوم السياسيين مستغلة قرب الانتخابات البرلمانية التي في ضوئها تشكل الحكومة ليحقق المالكي مكاسب من تجيش الطائفة الشيعية ضد السنة تحت غطاء محاربة الإرهاب، وفي الحلقتين القادمتين سنتحدث عما يجري في الأنبار بالتفصيل إن شاء الله.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية