الأنبار أكبر المحافظات العراقية الثماني عشرة مساحة، تشكل نحو 32 % مساحة العراق، وجل أهلها قبائل عربية سنية، والرمادي مركز المحافظة وأكبر مدنها بعدد السكان تليها الفلوجة، وكلاهما على نهر الفرات، بجانب الطريق الذي يربط شمال العراق وجنوبه ووسطه بسوريا والأردن والسعودية، تبعد الرمادي مئة كيلومتر عن بغداد، وتبعد والفلوجة خمسين كيلومترا، وتعرف الأنبار بالتزام أهلها بالقيم الإسلامية والتقاليد العربية، وبكثرة المعاهد الدينية التي تخرج عشرات الخطباء وأئمة المساجد، واشتهرت الفلوجة بمدينة المساجد، ومن قدرها أن تواجه الأميركان أثناء احتلالهم للعراق مرتين كما واجهت من قبل القوات البريطانية وتستبسل في الدفاع عن حياضها وتقدم خيرة شبابها شهداء على مذبح الكرامة والحرية، وقدرها اليوم تدفع ثمن تمسكها بعروبتها ودينها أمام جور الصفويين المتطرفين وقد رموها بداء داعش زورا وانسلوا.
ليس عسيرا أن تجد فلولا للقاعدة في أجواء محافظة حدودية واسعة وصحراوية ملتزمة كالأنبار، قلة قليلة من المندفعين تستقطبهم بحجة مقاومة التغلغل الصفوي، ولا تكون دليلا على اتهام أهل الأنبار كلهم بالإرهاب، وليس غريبا أن تجد قوات الاحتلال والحكومة أحد شيوخ القبائل أو اثنين تستميلهم بالمال إلى جانبها كأبو ريشة والهايس، دون أن يعني ذلك كل شيوخ العشائر يقاتلون إلى جانب الحكومة كما يدعي أنصار المالكي حين يخلطون الأوراق.
لم تمهل القاعدة أبو ريشة واغتيل بعيد أسابيع من زيارة بوش له، ليتولى بعده أخوه أحمد مهمة قيادة الصحوات على شاكلة أخيه، وظلت فرق الصحوة تجربة مزدوجة المهمة بحجة محاربة القاعدة، تخلط معها المقاومة وتحد نشاطها خدمة للأميركان وأسياد المنطقة الخضراء بعدهم، وبقي أبو ريشة الأخ يلوك على الفكين، يأكل مع شيوخ العشائر بحجة أنه يشعر بحقوق العرب السنة المهضومة، ويدعي حمايتهم من إرهاب القاعدة التي أوغلت في العنف، ويأكل مع أسياده في المنطقة الخضراء حليفا إستراتيجيا، ممسكا بالعصا من وسطها، عميل مزدوج يخشى الناس غدره وسطوته ويحتقرونه في دواخلهم، يجاملونه ظاهرا مع معرفتهم أنه يميل حيث تميل الريح. حتى المالكي سيد المنطقة الخضراء يعرفه ولا يأمن جانبه، ويتهم الصحوات أحيانا بالإرهاب، وكثيرا ما سلط كلابه لتضرب رجال الصحوة، ويعاقبهم بحجب مرتباتهم أشهرا من غير أن يقطع بهم حبل البئر.
انسحب الأميريكان مرغمين يجرون أذيال الخيبة في ظروف خفت فيها وطأة المقاومة، وهم يعلمون جيدا أنهم وضعوا العراق على طريق الفتنة خصوصا بعد كتابتهم للدستور، الذي بذروا فيه فكرة الأقاليم لتفتيت وحدة الوطن وضياع الهوية، وقانون الانتخاب بحسب القوائم، واعتبار العراق قائمة واحدة تكريسا للاصطفافات العرقية والطائفية، وسلموا مقاليد الحكم للقيادات التي جاءت معهم على ظهور الدبابات بصفة عملاء أدلاء، وقد أفسدوهم بالخيانة وسرقة الأموال فلم يبق للساسة الجدد من قيم الثوابت منبت، ولم يكن بوسع الدول العربية فعل شيء، وقد أحكمت إيران قبضتها على كل مصادر اتخاذ القرار والتأثير فيه. وبدأ المالكي يمارس لعبته عميلا لأميركا وإيران معا، ويمهد لحكم طائفي دكتاتوري يضطهد فيه العرب السنة.
تسلم أوباما الرئاسة ولم يكن من اليسير معرفة اتجاهات النظام السياسي الدولي، ولاسيما بعد أن تعطل دور مجلس الأمن في الحفاظ على السلم العالمي، بفعل تضارب مصالح الدول الكبرى التي لها حق استخدام الفيتو، وأصبحت أميركا القوة الضاربة الأعظم عالميا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تقدم رجلا وتؤخر أخرى عند الحاجة للتدخل في أي مكان من العالم، خشية أن يصيبها ما أصابها في العراق، وازداد تأرجح أوباما بتلكئه وحذره بعد الأزمة الاقتصادية العالمية. وترك لإيران الحبل على الغارب لتطمع بالتوغل أكثر في سوريا والعراق ولبنان واليمن كحكومات ظل لها، وصارت تتدخل في شؤون البحرين والسعودية الداخلية.
مارست إيران الكذب والدجل والغطرسة والاغتيالات في العراق، شرطي المنطقة، وأصبحت طرفا يساوم ويتفاوض في الصراعات القائمة بلا مسوغ. وأصبح لحرسها الثوري فروع يتمتع منتسبوها بحرية الحركة والعمل كما لو كانوا أفراد الأمن الاستخباراتي الوطني، مما أثار حنق الشباب ودفعهم بعضهم للتطرف والعنف مقاومة لهذا المد الطائفي الصفوي غير المشروع بمد مثله تحت مسميات متعددة داعش وغيرها، فإيران وأميركا من فسح لها المجال وكان السبب في موجة العنف السائدة، وللموضوع صلة.