تقييم المشهد العراقي يحتاج إلى قراءة شاملة لأوضاع العراق والمنطقة منذ الاحتلال الأميركي حتى يومنا، لا قراءة تقتصر على آنيات الموقف الحالي، وبعد أن خلطت السلطة في العراق الأوراق، وتم التعتيم على المشهد بأكمله فلا نسمع إلا الرأي الرسمي وقراءته للأحداث التي لا تخفي خلفها تصفية الحسابات وتسقيط العنصر العربي السني، وشيطنة الاعتصامات المطالبة بالحقوق المشروعة، واستخدام الوعيد والتهديد بأسلوب العصا والجزرة، وبذر الفتنة بين شيوخ العشائر وأبنائها، فتعددت مصادر الشقاق والنفاق دينية طائفية حسب المذاهب، وقومية عنصرية قبلية جغرافية، وسياسية وحزبية، تعمد المسؤولون إثارتها وفق قاعدة “فرق تسد”.
ونقولها بوضوح للتاريخ بعد مراجعة الذات، لا أحد ينكر شبه الإجماع على أن العراق كدولة دُفع إقليميا ودوليا عن سوء قصد وفق خطة صهيو أميركية لارتكاب أخطاء عدة بغية إيقاعه في الفخ، وعزله عن سائر أشقائه العرب والاستفراد به، سواء في حرب الخليج الأولى أو الثانية وما ترتب عليهما ونجم عنها من لواحق وتبعات، لكن ما كان لها أن ترقى بالدول العربية إلى حد التضحية بالعراق، تفريط العرب بأمنهم القومي كراهية بالنظام وقياداته بعد كل التضحيات التي قدمها العراقيون لأمتهم، على رأسها مقاومتهم تصدير الثورة الإيرانية الصفوية بحرب طاحنة مع إيران استمرت عشر سنوات، ولذلك الكل وقعوا في الخطأ، وليس هناك اليوم من العرب من هو أفضل من غيره فجميعهم في الهم شرق.
ونعرف جميعا أن العرب أسهموا كل على قدر استطاعته باحتلال أميركا للعراق، ولا نريد فتح الجروح ورش الملح، ولم يشعروا بفداحة الخسارة إلا بعد احتلال العراق عام 2003، فوقفوا مشدوهين في حالة صدمة تركتهم في غيبوبة سنوات صعبة عجاف اختبروا فيها وسقطوا، وكانوا لا يدرون ماذا يفعلون لهول مصيبتهم؟ أفاقوا بعدها على وقع خسارة أكبر حين طالت يد إيران في المنطقة وصارت تتمدد كالسرطان، بثت عيونها ونشرت أقدامها في كل موطن في العراق لتملأ الفراغ الذي تركه لها انسحاب العرب، حتى اقتربت منهم فأحسوا بوخزة الألم الممض.
وعندما بدأت المقاومة العراقية تتشكل وقف العرب يتفرجون على تورط أميركا وبريطانيا بوحه خاص في مستنقع العنف ومصيدة المقاومة العراقية الباسلة التي أدمت المحتلين ولاسيما في الفلوجة والرمادي وسائر مدن محافظة الأنبار التي أطلق عليها الأميركان “مثلت الموت” وتبعها سائر المحافظات العربية ذات الأغلبية السنية. ففي محافظة الأنبار وحدها دفع الغزاة نحو نصف ضحاياهم ودفعوا النصف الآخر في محافظة ديالى ونينوى وصلاح الدين وبغداد وغيرها. وللحقيقة والتاريخ لم يقدم العرب مساعدات للمقاومة العراقية العربية خوفا من أميركا، باستثناء سوريا قدمت مساعدات للقاعدة، وكان ذلك بدفع من إيران التي بدأت تزودهم بالمتفجرات والألغام والسلاح, وأميركا تعرف ذلك جيدا، وتتجاهله لأسباب أثارت حيرة المتابعين للأحداث.
وكثيرا ما اشتكى العراق من هجمات القاعدة التي كانت تدبر عبر سوريا، حتى هدد برفع القضية إلى مجلس الأمن لولا أن إيران تهدئ الموقف لأسباب منها، الضغط على أميركا لمشاركتها في مكاسب احتلالها للعراق، وتخويف أميركا من التحرش بسوريا بعد الذي أصابها في العراق، وجرت بعض قيادات القاعدة إليها وساومتهم على إثارة الفتنة الطائفية في العراق، والتحرش بالدول العربية وخصوصا الأردن والسعودية ودول الخليج لإرباك الأوضاع في المنطقة وإشغال القيادات العربية عن اتساع نفوذها، وبالفعل نجحت إيران في أن تتمكن أكثر وأكثر وأن تدير أزمة الاحتلال لصالحها بكفاءة، في حين أخفق العرب أيما إخفاق، وكثيرا ما اعترف رئيس الوزراء القطري بذلك صراحة، وكذلك العقيد القذافي. وحذر الملك عبدالله الثاني ومبارك عن نوايا إيران بإقامة هلال شيعي.
وفي ذلك الوقت أصيب الرئيس الأميركي بوش بالإحباط واليأس أمام ضربات المقاومة العراقية وباءت كل خططه لكبحها بالفشل، وفي تلك الأثناء حصل شرخ في العلاقة بين رؤساء أحد القبائل أحمد أبو ريشة وفصيل من القاعدة التي بدأت أخطاؤها وتجاوزاتها على رؤساء العشائر والمواطنين في الأنبار تكثر وتتفاقم، فاستغاث أبو ريشة بعملاء المنطقة الخضراء، وبدورهم قدموه إلى بوش كمنقذ من ورطته، وكان يبحث عن آخر فرصة، فزار أبو ريشة في بيته في الأنبار وأغدق عليه وعلى أفراد قبيلته المال والسلاح للدفاع عن أنفسهم، وانضم إليه بعض ضعفاء النفوس، وشكلوا فرق الصحوة التي بدأت بحجة محاربة القاعدة تجتث كل فصائل المقاومة العراقية وتحد من تحركاتها وهم على معرفة بخبايا المنطقة، وبذلك تنفس الأميركان الصعداء وتراجعت الضربات على جندهم. وأصبح أبو ريشة مسمار الأميركان في جسد المقاومة العربية السنية ولا زال، كما سنرى في حلقات لاحقة.