من المفارقات المضحكة المبكية في العام الميلادي المنصرم احتفال الفلسطينيين برام الله في آخر ليلة منه بإطلاق إسرائيل سراح 26 أسيرا فلسطينيا من قدامى الأسرى في الوقت الذي يشيع آخرون منهم في مخيم اليرموك بدمشق عشرين فلسطينيا قضوا عطشا وجوعا، بحصار قوات الأسد وزبانيته الأطفال والنساء والشيوخ ومنع الغذاء والدواء والماء والكهرباء عنهم، فقتلهم السغب ببطء بعد عذاب مرير بشع، وهناك الآلاف يتمنون الموت المفاجئ السريع بالنار والرصاص والبراميل المتفجرة التي يقصفهم بها الأسد، فهي أرحم من الموت البطيء على درجات، وهكذا شاءت غرائب الزمن أن تدور عكس قوارب الساعة فنرى فيها ما لم نكن نتصور رؤيته حتى في الأحلام. ومن المفارقات المحزنة أن يحرص الإسرائيليون وأزلام محمود عباس في رام الله على اللقاء والاجتماع معا مباشرة يتفاهمون ويتفاوضون ويضعون أسسا للسلام والوئام برعاية أميركية، ويعلم عباس أن الموقف العربي والقوى الفلسطينية في هذا الظرف أضعف من أن تساعد على التفاوض معهم، بينما يعرض عباس بمنظمة فتح عن اللقاء والتحاور مع أشقائه في حركة المقاومة حماس، مستغلا الظرف العصيب الذي تمر به غزة بعد الانقلاب العسكري بمصر واعتقال الرئيس المنتخب الذي أبدى تعاطفا كبيرا مع أوضاع الفلسطينيين في غزة، وتبنى القضية الفلسطينية بتعاونه مع حماس، مما دفع بالسلطة العسكرية الحالية بمصر التنكر للقضية الفلسطينية مكايدة بالإخوان، مولين ظهورهم لحماس وهاجموها، وشددوا على غلق معبر رفح المنفذ الوحيد للفلسطينيين إلى مصر لتجويعهم، لعل حماس تضطر تحت ضغط الحصار المصري والإسرائيلي إلى الاستسلام، والتخلي عن المقاومة، والركوع لشروط إسرائيل التي تحاصر منذ سنوات غزة من البحر.
ومن غريب المفارقات أن يكون طريق بعض الدول العربية في التعامل مع إسرائيل واتجاهها مفتوحا على مصارعه، سفارات وزيارات واجتماعات سرية وعلنية، ومراسلات وتطبيع وتنسيق، وتختفي شعارات المقاطعة والممانعة، في الوقت الذي تعد سلطات الانقلاب العسكري بمصر اتصال الرئيس مرسي بحركة المقاومة الفلسطينية حماس خيانة عظمى وجريمة يقاضى عليها بمصر، وتصبح ذريعة لتنحيته من المشهد السياسي ويزج به في السجن، كأن الفلسطينيين ليسوا إخوانا لنا ولا قضيتهم قضية العرب الكبرى والأولى، وكأن مصر انقلبت على نفسها وهي التي ضحت من أجل فلسطين بالكثير وقدمت قوافل الشهداء على طريق التحرير، واليوم ترفع حكومة العسكر يدها من القضية الفلسطينية كلها تحت أسماع العرب وتصبح غزة تشكل خطرا على مصر أكثر من خطر الصهاينة؟ ومن المفارقات المؤلمة تعامل الجامعة العربية ببرود بشأن لم الشمل الفلسطيني، وتتوقف عن دعم الثورة السورية والحماس الذي أبدته للخلاص من الأسد فيما مضى، مجاملة لحكومة الانقلابيين الذين يغفرون للأسد كل ممارساته الإجرامية وغير الإنسانية بحق شعبه، ويتعاطفون معه ممالأة لرئيس حركة تمرد الموالي لإيران الداعمة للأسد، وكراهية بالإخوان المعارضين لبقاء الأسد في السلطة، وخوفا من أن تحكم سوريا حكومة ذات اتجاهات إسلامية بعد الأسد، وتتغاضى الدول العربية عن موقفه الخارج عن الإجماع العربي. الذي يرى في الأسد خطرا يهدد الأمة باتجاهاته الطائفية الموالية لإيران وحزب الله.
ومن مفارقات التناقض الصارخ مشاركة العراق والجزائر لإيران وزبانية غلامها في لبنان السيد نصر الله في الجريمة، وهم يكابرون بتبني شعار الممانعة والمقاومة، وأن الطريق إلى تحرير القدس يمر عبر نظام الأسد، وتسهم فلولهم الغادرة عسكريا بحصار مخيمات الفلسطينيين وقتلهم، كما فعلوا بلبنان، وكما فعل عملاؤهم الصفويون في العراق بعد الاحتلال بقتل الفلسطينيين واضطهادهم ومصادرة مساكنهم وتهجيرهم إلى الصحراء لترأف بهم دول أوروبية وتستقبلهم، فسبحان مغير الأحوال، وكيف أزاحت الأحداث الأقنعة عن وجوه تبرقعت بنصرة القضية الفلسطينية زمنا كذبا وزورا، وقد قالها تعالى لرسوله من قبل “إذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ” المنافقون (1).