يبدو أن الإعلام الغربي يهرب من طرح قضايا الإنسان المعاصر الأساسية ولاسيما حق الإنسان بالحياة أولا، ليوجه جل اهتمامه إلى قضايا فئوية ثانوية أقل أهمية تتناولها الصحافة والفضائيات تصطنع الأحداث اصطناعا، يتعمدون بها إثارة الفتن الطائفية والعنصرية في بلادنا، ويتناسون جرائم القتل الأكثر خطرا وأشد جرما، المجتمع الدولي يقف عاجزا مكتوف الأيدي معقود اللسان حابسا النظر عن الجرائم الإنسانية البشعة والمجازر التي ترتكبها الحكومات ضد الشعوب في سوريا والعراق واليمن ومصر، وما تفعله إسرائيل بغزة، وما يرتكب بحق المسلمين من تطهير ديني بإفريقيا الوسطى ومينيمار وأفغانستان ومالي حيث ترتكب بحقهم جرائم بشعة ضد الإنسانية ويسقط الملايين قتلى وجرحى، ويشردون بلا زاد ولا مأوى، أطفالا وشيوخا ونساء، يشيح الإعلام عن مآسيهم، ويطرح حصرا قضية الاضطهاد الديني للمسيحيين في العراق ومصر كأن المأساة خاصة بالمسيحيين وحدهم لا غير.
المسيحيون العرب إخواننا، وهم عنصر وطني أصيل عاشوا في المنطقة قبل ظهور الإسلام ولا زالوا يتمتعون بما يتمتع به المواطنون من سائر الأديان والقوميات. ولو كان العرب المسلمون لا يؤمنون بالتسامح والتصالح مع إخوانهم المسيحيين ويحفظون لهم حقوقهم ما وجدنا منهم أحدا اليوم في بلادنا، بعد الذي نال المسلمين من مسيحيي أوروبا إبان الحروب الصليبية، واستعمار عسكري وتقسيم للبلاد العربية في العصر الحديث وتهجير ملايين الفلسطينيين لتوطين الصهاينة.
ما يحصل اليوم للمسيحيين في العراق على سبيل المثال، سببه الغرب، أميركا وأوروبا ضالعتان فيه حتى العظم، غزوا العراق على لاشيء كذبا وافتراء ودمروه بالفتن الطائفية وإشاعة والإرهاب الفساد وغادروا بعد تخريبه، والمسيحيون جزء من الشعب العراقي أصابهم ما أصاب العراقيين نتيجة لهذا الغزو الظالم، يقتلون كما يقتل المسلمون وغيرهم، وتحرق كنائسهم كما أحرقت المساجد والمآتم بسبب مخلفات الاحتلال، وإذا قتل من العراقيين ما يقرب من ثلاثة أرباع المليون مدني بينهم ألف مسيحي لا يعني أن المسيحيين مضطهدون، وإذا غادر العراق سبعة ملايين مهاجر وكان من بينهم ثلاثمائة ألف مسيحي لا يعني أن المسيحيين وحدهم يهجرون، المسيحيون أبناء وطن يصيبهم ويصيب أملاكهم ومعابدهم ما يصيب غيرهم من الناس يقتلون ويجرحون ويهاجرون حالهم حال غيرهم. بل الغرب هو من يشجعهم على الهجرة بما يقدم لهم حصرا من مساعدات منظورة دون غيرهم.
الإعلام الغربي حينما يولي المسيحيين الاهتمام من بين الآخرين يقدح النار بالشرر، ويوجه الأنظار إليهم، الدول الأوروبية حينما تخص المسيحيين بمقاعد خاصة بالهجرة والعلاج والمساعدات الغذائية والمادية منذ أن كان الحصار مفروضا على العراقيين، هي تذكي نار الفرقة والتمييز الطائفي، وحينما يتعرض المسلمون في بلادهم للغزو، ويتعرضون للإذلال والاتهام بالإرهاب ويُعتدى عليهم ويلاحقون في المطارات والمنافذ الغربية، يرصدون ويفتشون ويعنفون ولو بالنظر لا يعد ذلك اضطهادا كونه منظم، كأن الإرهاب في نظرهم وقف على العرب، وحينما يقر المؤرخون الغربيون بارتكاب الغرب جرائم ضد الإنسانية في الحروب الصليبية وترفض الكنيسة الاعتراف بذلك كبرا منها لا يعد صنيعها منافيا للمثل، وحينما لا تعترف فرنسا بجرائمها في الجزائر واستخدام المسلمين نماذج في التجارب النووية كالفئران ولا تعترف بجريمتها ولا تحاسب لا يعد ذلك إخلالا بالقيم الإنسانية؟ وحين يقتل كل يوم عشرات الأبرياء بطائرات بدون طيار في اليمن وأفغانستان لا يأبه الإعلام بذلك.
هل ينصف الغرب الفلسطينيين في غزة حين يحاصرون ويجوعون ويقتلون؟ وهل اهتم الغرب بإنصاف الشعب السوري، من قتل ومن هجر ومن عذب ومن اغتصب كما اهتم بتدمير السلاح الكيماوي؟ وهل يحاسب الغرب إسرائيل على جرائمها العنصرية؟ أم حينما يكون لإسرائيل أسير واحد لدى لفلسطينيين تقوم الدنيا ولا تقعد، بينما يتغاضى الغربيون عن آلاف الأسرى الفلسطينيين لدى إسرائيل! فمتى يغادر مزاجيتهم وازدواجيتهم والكيل بمكيالين، وينصفون غيرهم كما ينصفون أنفسهم بلا تحيز ولا استكبار؟ أم خلقوا من نار وخلقنا من تراب؟=