لعل مصر أول بلد عربي عرف سن الدساتير في العصر الحديث حيث ولدت التجارب الأولى إبان الحملة الفرنسية (1798-1801) وفي عهد محمد علي، ويذكر أن رفاعة الطهطاوي يعد الرائد الدستوري الأول بترجمته لنص الدستور الفرنسي في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” ووشحه بالشرح والتحليل والتعليقات. وتأسس أول مجلس شورى بالتعيين عام 1829، وفيه 156 عضوا، وفي عام 1879 تولى محمد شريف باشا رئاسة الوزراء فأنشأ مجلس نواب يختص بالتشريع أسوة بالمجالس النيابية الحديثة، وعمل بالنظام الدستوري ووضع أول دستور مصري متكامل صدر عام 1882، تضمن 49 مادة. وجعل لغة المجلس العربية، ولم يتضمن إشارة إلى دين الدولة ولا إلى اللغة الرسمية فعد أبو الدساتير المصرية.
أما دستور 1923 فتضمن 170 مادة أشار في المادة 149 إلى أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية لأول مرة، وهي مادة خلا منها دستور 1930، ثم أضيفت ثانية في دستور 1954 و1956 وفي دستور 1971 نصت المادة الثانية أن “الإسلام دين الدولة. واللغة العربية لغتها الرسمية. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع”، ويذهب كثير من القانونيين إلى أن دستور 1923 ودستور 1954 أكثر صيغ الدساتير المصرية تطوراً شارك في كتابتهما لجان معتدلة من سائر الأطياف السياسية والاجتماعية بينهم رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود وفقهاء دستوريون. وان دستور 1971 تلاعب بكتابة مواده الرئيس السادات ليكيف وفق ما يهوى ويشاء.
أما دستور 2012 الذي جاء استكمالا لثورة الربيع وانتخابات مجلس النواب ومجلس الشورى، وانتخابات الرئاسة، فقد شكل الإسلاميون غالبية لجنة المائة لكتابته، واختلفوا مع القوى اللبرالية على مواد عدة منه، كانت مثار جدل واسع، ولكن حصل بموجب الاستفتاء على 67 % من أصوات المقترعين فاقر رسميا، ولم ويوضع قيد التطبيق فعليا حيث كان مجلس النواب قد حل ولم تكن الحكومة مستقرة، وعطل بعد ثلاثة أشهر في يوليو الماضي إثر عزل الجيش للرئيس المنتخب مرسي لتشكل وفق خارطة طريق العسكر والرئيس المنصب لجنة مختارة من خمسين عضوا لكتابة دستور جديد، ويتوجه المصريون منتصف يناير 2014 للاستفتاء عليه كتاسع دستور في تاريخ مصر.
ويمكن القول عن يقين أن هذه الدساتير مجتمعة الجميل منها والقبيح كتبت وأقرت، ولكن لم يؤخذ بها وبقيت شكلا بلا مضمون، وأثرا بعد عين للذكرى، بما فيها دستور 2012، وكان يجدر بالحكومة العسكرية التي أطاحت بالإخوان أن تعمل به، حتى انتخابات مجلس النواب والشورى القادمين وتعديل المواد المختلف عليها إذا كان يحتاج إلى تعديل وجب الفتنة، بيد أن كراهية العسكر للإخوان دفعهم إلى محو كل ما يعد مكسبا ومنجزا لهم، وفي الحقيقة لم يكتب دستورا جديدا وإنما عدلت نحو أربعين مادة من مواد دستور 2012 وأضافوا مثلها وهذه الإضافات أصبحت محط جدل وخلاف أيضا، ففيهما ما وضع لتمكين العسكر وتشديد القضبة الأمنية وفيها ما وضع لاسترضاء المسيحيين الأقباط، وهذا ما لا يختلف عليه كثيرا.
وقد لا يكون الدستور الجديد سيئا ولكنه كتب في أجواء غير طبيعية من الكراهية والصراع، وبأيد غير مخولة شعبيا، وسيجري الاستفتاء عليه بذات الأجواء المشحونة بالتوتر والمجاذبات، ومن المتوقع أن الأسوأ من كتابة الدستور، تلك القوانين الأنظمة والتفصيلات التي ستلي كتابته بهدف تفيسر مواده وفيها يكمن الشيطان. كقانون تنظيم التظاهر، فضلا عن منحه الحصانة لمراتب عسكرية كوزير الدفاع، وشرعنة محاكمة المدنيين بمحاكم عسكرية، وصمت الدستور عما يمكن فعله لو جاءت نتيجة الاستفتاء بلا، الأمر الذي يلقي في القلب الريبة وأن الدستور وضع ليقر والاستفتاء مرحلة شكلية لإقراره بغض النظر عن نتائج الاستفتاء سلبا أو إيجابا، ولاسيما إذا أجريت الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية، مما يوحي بإمكان التلاعب بالدستور بعد كتابته وهو ما سيجعل منه أسوأ دستور يثير الفتنة بمصر لا سامح الله، وهو ما لا نتمناه.