ليس كل من يتعرض لأوضاع أمتنا العربية في أي قطر من أقطارها بالنقد أو التجريح خائن لوطنه أو معاد، وليس كل من يكيل المديح والإطراء بلا حساب لهذا القطر وذاك هو المحب المخلص والوطني الغيور، أوضاعنا لا تسر الصديق في التخلف والتردي، فماذا يملك المثقف العربي وهو يرى دول العالم شرقا وغربا تتطور وتتقدم، ودولنا من سيئ إلى أسوأ؟ لقد بدأت نهضتنا الفكرية والعلمية بوقت مبكر متزامنة مع النهضة اليابانية، فأين نحن من اليابان اليوم؟ الفارق أن إمبراطورية اليابان الوراثية “رجعية”، ولكن دستورها يحرم على أي عسكري تولي رئاسة الوزراء والتدخل في الشؤون المدنية، فنجحت بفصل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، واعتمدت على الحكومات المحلية أكثر من المركزية، فاستقر فيها نظام الحكم، بينما جنحت دولنا بالانقلابات العسكرية الثورية إلى جمهوريات كارتونية، الرئيس العسكري فيها مصان غير مسؤول يستحوذ بمركزيته على كل الصلاحيات!
لم تبق أنظمة الحكم لدينا شورية وفق التقاليد الموروثة، ولا هي جمهورية بالمفاهيم الانتخابية الديمقراطية الحديثة، بل قلبنا الموازين وجعلنا الجمهوريات وراثية، ولم نعد نعرف هل نحن تقليديون في زمن الحداثة؟ أم نحن حداثيون بقيم تقليدية؟ دنس العسكر كل السلطات وأخضعوها لسطوتهم الثورية بأوامرهم “نفذ ثم ناقش” وأصبحنا الموتى الأحياء ضحية أنظمة استبدادية بثياب تدعي الثورية تارة وأخرى الديمقراطية، لم تعد العساكر في جمهوريات الضباط مهنية بل حشرت أنوفها في كل السلطات، سيست القضاة، وباعت واشترت بالإعلام، وأفسدت السلطة التنفيذية بالرشوة والسرقة، وجعلت البرلمانات هياكل صورية.
ليس من شئننا التقليل من أهمية جيوشنا، ولا الحط من مكانتها، ولا الاستهانة بما أبلت، ولكن قادة الجيوش ورطوا أنفسهم بانقلابات عسكرية العراق وسوريا ومصر واليمن والسودان وليبيا والجزائر وتونس وموريتانيا، وكلما جاءت أمة لعنت أختها، في كل انقلاب يكون الرئيس عسكريا ينصب نفسه ويجري استفتاء مشوها، والنتيجة معروفة سلفا 99 %، ومع كل انقلاب تطهر المؤسسة العسكرية، يعدم أو يسجن جيل، ويتقاعد جيل ويرقى آخر رتبا مجانية بقرارات فوقية بلا حساب، تلغى خطط وإستراتيجيات وتوضع بدائل، ودائما الغلبة للعسكر في الوزارات والمراكز الحساسة “دولة عميقة” جمهوريات ضباط يتبخترون بشاراتهم، ففقدوا المهنية بمغادرة الثكنات، وامتطوا كراسي وثيرة دوارة، يمارسون من فوقها أوامرهم العسكرية كما يمارس الرعاة سلطتهم على قطعان الماشية من فوق ظهور مطاياهم، فأفقدوا البلاد استقرارها، وأعاقوا النمو وقيدوا الحريات وأصبحت أوامرهم قوانين، فما صلح ولن يصلح بهم شأن، فلا ثورة ولا تغيير ولا ربيع ولا ديمقراطية، وهذه هي الحقيقة بلا استثناءات.
العدل والمساواة في الحقوق والواجبات أساس الملك، وأساس العدل حيادية القضاء واستقلاله، ولا عدل مع حكومة عسكرية جائرة، يخضع فيها وزير العدل للعسكر ويُخضع القضاة لسطوته في التوظيف والترقيات والتنقلات، والأدهى وأمر أنشئت محاكم عسكرية خاصة تقاضي المدنيين، وتكيف الأحكام وفق هوى العسكر وبما يرضيهم، فغاب “أساس الملك، وتداخلت السلطات التنفيذية بالقضائية والتشريعية، زورت الانتخابات والاستفتاءات التي يشرف عليها قضاتهم، وصارت البرلمانات بلا سلطات تشريع وإنما وسيلة لتمرير قوانين وتشريعات تسنها السلطات العسكرية، ألم يضع الحاكم العسكري بريمر القانون العراقي ومرره البرلمان؟ ألم يفرض المجلس العسكري بمصر مواد قانونية محصنة تعلو على الدستور؟ ألم تعط بعض الدساتير حصانات وضمانات للعسكر تعلو كل السلطات؟ ألم يتجاوز العسكر بمصر وموريتانيا والجزائر على الرؤساء المنتخبين ديمقراطيا واحتلوا فيها كراسي الحكم؟ وهل لغير العسكر أن يمارس هذه الصلاحيات والأعمال، ألم يكن رؤساء ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا فوق القانون ومنحوا أنفسهم حصانات مفتوحة؟
الأنظمة الجمهورية التي سيطر عليها العسكر في الوطن العربي شكلت السواد الأعظم مساحة وموارد بشرية وطبيعية، ولكنها تعاني نسب مرتفعة من البطالة والفقر والمرض والتخلف وانتهاكات حقوق الإنسان، بسبب تجبرهم وسوء إدارتهم، فمن المسؤول عن إعاقة النهضة بالأساس غير العسكر؟ وهل يا ترى لوطن هذا شأنه أن يتقدم ويتطور؟