العدد 1779
الأربعاء 28 أغسطس 2013
معادلات لم تحسن أميركا فك رموزها في العراق (5) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأربعاء 28 أغسطس 2013

لم يدس الأميركان أنوفهم في أمر أو شأن من شؤون العراقيين إلا وساروا فيه عكس التيار، وخلافا لمقتضاه الأصولي، وأفسدوا أروع ما فيه وأفرغوه من محتواه، إما جهلا وغباء وهذه مصيبة، وإما قصدا وعمدا فتلك مصيبتان، وإذا كانت الانتخابات جوهر العملية السياسية الديمقراطية وأهم مفاصلها، فإن اشد ما يفسد الانتخابات الالتفاف عليها بالتشريعات والتفصيلات الملغومة التي ينفذ منها الشيطان، فمع كثرة الآراء وتعددها، وتفاقم الجدل والخصام يفقد المواطن الثقة بقانون الانتخابات وجدواه، وتفقد الانتخابات ألقها وبريقها ويصبح الحديث حولها مملا وممجوجا وينضب حماس المواطن في المشاركة، فتتفجر الانتخابات من الداخل قبل أن تتفجر من الخارج بالتزوير والرشاوى، وضع قانون الانتخابات البرلمانية العراقية بمعرفة الأميركان فجعلوا العربة قبل الحصان وزيادة في الإمعان وضعوا العصا في العجلة وأوقفوا الدوران.
قانون الانتخابات الذي وضع 2005 وطبق بانتخابات 2006 جعل العراق كله دائرة واحدة، تتنافس عليها قوائم مغلقة لا يعرف الناخب المرشحين الذين يصوت لهم فالأسماء سرية ومعماة، خوفا على المرشحين من الاغتيال، ومقفلة على حزب أو طائفة أو عرق، فكرس القانون الانقسام بكل معانيه الجهوية والقومية والطائفية، قائمة شيعية، وأخرى سنية عروبية، وثالثة تمثل الأكراد وقوائم صغيرة للأقليات، فلو أن كرديا في أقصى الغرب أو الجنوب يستطيع التصويت للقائمة الكردية وكذلك الشأن لبقية القوائم، وهكذا انقسم العراقيون شاءوا أم أبوا إلى طوائف وأعراق، ولم يكن أعضاء الجمعية الوطنية في الدورة الأولى لمجلس النواب منتخبين بصورة مباشرة من الشعب (الناخبين)، وإنما كانت هناك قوائم فئوية تم التصويت لها دون معرفة شخصيات المرشحين فيها.
أما في الدورة البرلمانية الثانية 2010 فجرت الانتخابات وفق القوائم المفتوحة وعلى الناخب أن يصوت مرتين الأولى للعضو المرشح والثانية للقائمة، وكانت النتيجة أن حصل 17 عضوا فقط على أصوات أكثر من القاسم الانتخابي عشرين ألف صوت من بين 325، أي أن 308 أعضاء فازوا بفعل التصويت للقائمة التي منحتهم أصواتها مجانا، وبعضهم لم يحصل إلا على عشرين صوتا، ولم ينل شخصه على ثقة الناخب، ولذلك لم يكونوا ممثلين حقيقيين للأغلبية المطلقة، والسبب الرئيس هو النظام الانتخابي المتبع، كونه نظاما ملغوما يشجع الإثنية والطائفية والعرقية، على عكس مما لو اتبع النظام الفردي، فيفوز بعضوية البرلمان المتنافس الذي يحصل على أكثر الأصوات التي يجب أن تزيد عن 50 % من أصوات الدائرة. وأصبح العراق حقل تجارب وتطبيقات ميدانية تختبر فيه الدراسات والبحوث والنظريات في معاهد الغرب الاستعماري تلك التي لم تختبر في مواطنها فصدرت إلينا.
كذلك أعطى القانون كوتة لتمثيل المرأة في البرلمان بنسبة 25 % بغض النظر عن عدد الأصوات الحاصلين عليها، وهذه النسبة لم يحققها أي برلمان في دول العالم المتقدم، كما سمح لمن يحمل جنسيتين أو أكثر بالترشيح لعضوية البرلمان، فيحق مثلا لمن هو تبعية إيرانية، وحاصل على الجنسية العراقية، ثم الجنسية الأميركية أن يشغل وظيفة تشريعية محصنة بعضوية البرلمان، والأدهى خصص لكل عضو عشرين حارسا يختارهم النائب بحريته ومزاجه وتدفع رواتبهم الدولة، ومنح النواب رواتب خيالية ومخصصات سكن مفروش وتنقل وضيافة وعلاج حتى بدل مقابل لشراء الصحف، ومنحوا قطع أراض درجة أولى، وفرصا لحج البيت الحرام، ومنحا نقدية مجزية، وسلفا وجوازات سفر دبلوماسية لهم ولأفراد أسرهم حتى بعد مغادرتهم رواق البرلمان، ويمنحون رواتب تقاعدية بعشرات ملايين الدنانير، وهناك اليوم حراك شعبي وتظاهرات تطالب بتخفيض الرواتب والمخصصات واسترجاع ما حصل عليه النواب من دون وجه حق شرعي وليس برضى أبناء الشعب.
وعلى مدى الدورتين التي تلت الاحتلال رأينا مجالس نواب هزيلة، اغلب أعضائها لا يحضرون الجلسات، فهم من الفرارة الدوارة في الخارج طهران، دمشق، بيروت، وعمان، دبي، لندن، هم وأسرهم هربا من التفجيرات والاغتيالات، ولا تقر القوانين إلا بشق الأنفس وبعد مساومات وأحيانا يشرى صوت النائب بثمن مادي بخس، وهناك صراع مرير بين القوائم على المصالح، وليس تنافسا على خدمة الشعب، فمنهم من اغتنى غنى فاحشا بسبب شيوع الفساد، وامتلك القصور الفارهة والمؤسسات والمصالح بعواصم دول الضباب الأوروبية، ولك الله يا شعب العراق. هذا ما جنته عليك عمتنا أميركا ولم تجن على أحد!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية