العدد 1778
الثلاثاء 27 أغسطس 2013
معادلات لم تحسن أميركا فك رموزها في العراق “4” د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 27 أغسطس 2013

من المعادلات الأهم والأخطر في الحياة التي أساء الأميركيون فهمها وفك رموزها وأضحت من الأسباب الرئيسية لكل ما يحدث من صراع الطوائف والملل في العراق، لسوء فهمهم وخطأ قراراتهم وعدم صحة مرجعيتها القانونية وخلل استراتيجياتهم، حينما أصروا على كتابة الدستور في ظل فترة احتلالهم للعراق، لتصنف مواده وفق ما يجسد رؤيتهم، ويحفظ مصالحهم، فأدخلت أميركا نفسها فيما لا يعنيها، وأعطت لنفسها حق المشاركة إن لم نقل الانفراد بكتابة الدستور الجديد مثار الجدل حتى يومنا.
الدستور صناعة اجتماعية محلية، وكان ينبغي أن يكتب بأقلام عراقية روحا ودما، لا أن تكتبه أميركا وتقدمه للعراقيين يبصموا عليه، وألا يكتب في ظل خلافات وتجاذبات عرقية وطائفية عميقة، ولا في وقت كانت فيه العامة منهمكة بمتطلبات الحياة الأساسية جريا وراء الخبز والوقود والكهرباء والماء والصرف الصحي، ولا في أجواء مشحونة ومتوترة وسط أعمال خطف واغتيال على الهوية وتفجيرات وخلافات حادة سبقت توقيع أعضاء مجلس الحكم عليه، ولم يكن أي منهم منتخبا، وأبدت مرجعية السيستاني استياءها بوصفه لا يلبي طموحات العراقيين وآمالهم المستقبلية، فولد ميتا فاقد الشرعية الوطنية، واعترفت الفصائل التي وقعت عليه فيما بعد بثغراته، وأنه كتب على عجل، وينبغي تعديل فقرات عديدة.
إن تضارب المنطلقات الأساسية للدستور يؤكد بلا شك كتابته بأيد أميركية وسمح للعراقيين بإضافات محدودة، أربكت أركانه الأساسية بتضاربها، ففي المادة الثانية ينص: الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع، ولا يجوز سن قانون يتعارض وثوابت أحكامه. ثم تلاها، ولا يجوز سن قانون يعارض مبادئ الديمقراطية. ولا يجوز سن قانون يعارض الحقوق والحريات الواردة فيه. فكيف يمكن سن قانون لا تتعارض فيه الشريعة ومبادئ الديمقراطية ورؤية الحريات بمنح المرأة حقوق الرجل؟ وأجاز الدستور تولي المناصب السيادية لمن كان من أب أو أم عراقية، وليس من أبوين عراقيين بالولادة. فأهمل الهوية الوطنية وسمح بتولي من تبعيته إيرانية أو أميركية مناصب سيادية وهي واحدة من مواطن الخلل.
والدستور الجديد ضيع هوية العراق وشخصية الإنسان معا، ولم نعد نعرف إلى أية أمة ينتمي، فالعراق وفق الدستور “متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وجزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي جزء من الأمة العربية” وعوضا من أن نكون امة واحدة أصبحنا أمما، رغم أن 80 % من سكانه عرب، و96 % مسلمون، و99 % يتحدثون العربية، ووجود أعراق وطوائف لا ينفي كون العراق عربيا أرضا ودما وفكرا بالضرورة، تركيا اسمها من جنس عرقها ولن يتغير انتماؤها القومي لو قبلت ضمن الاتحاد الأوروبي؟ إن عدم تحديد الهوية والانتماء دستوريا جعل العراقيين يعانون مشكلة أساسية لا تتوقف عند قبول أو رفض الدستور، بل الجدل حول مستقبل العراق الذي أصبح مجهولا تكثر التكهنات حوله وبشأنه.
كما أن ديباجة الدستور بدلا من الدعوة إلى التآخي والتسامح وظفت أحداثا سابقة ضخمت بدعاوى المظلومية لتوظف طائفيا وعنصريا، بما يؤصل لفتنة وصراع داخليين بإثارة مواجع قمع طائفي مزعوم ومجازر وهمية جسدها بلغة موتورة تذكر: إن طغمة أقلية مستبدة ارتكبتها ضد الأغلبية واستباحت المدن المقدسة في الانتفاضة الشعبانية، وعذابات قمع قومي في حلبجة والأنفال. فأي دستور هذا الذي يؤجج الفتنة ويكرس الضغينة بديباجته ويغمز بما هو قاتم ولا يستشرف مستقبلا مضيئا؟.
وأكد الدستور المحاصصة الطائفية بنصه على “تشكيل القوات الجيش والأمن بالتوازن بين مكونات العراق”، وعد واحسب حصة كل طائفة وعرق، وهذا لك وهذا لي، وعلى أساس هذه المحاصصة أصبح رئيس الجمهورية المنزوع الدسم من الصلاحيات حصة الأكراد، ورئيس الوزراء بدسم كامل حصة الشيعة، ورئاسة البرلمان حصة السنة كـ “خيال مآتة”، بحكم أن لرئيس الوزراء أغلبية أعضاء البرلمان، فرئيس البرلمان يصبح مقعدا ومقيد اليدين، يضاف إليها أن منصب رئيس الجمهورية حدد بفترة ثمان سنوات دورتين برلمانيتين، بينما رئيس الوزراء أهم مراكز الدولة كولاية الفقيه من حقه الحكم طول العمر، فأسس للفساد والدكتاتورية وترسيخ سلطة الفرد، بإغفال الدستور مدة ولايته عمدا، والمآخذ كثيرة تسببت بضياع وفساد وتراجع العراق إلى الوراء وهو وما افقد الأميركان ثقة العراقيين والعالم، وأنهم أفاكون يظهرون غير ما يبطنون، وللحديث صلة تأتي في الحلقة الأخيرة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية