العدد 5759
الأحد 21 يوليو 2024
banner
شيرين فريد
شيرين فريد
الغرفة 307 .. انفصال الروح عن الجسد
السبت 10 يونيو 2023

لا أدري مانوع ذلك المرض اللعين الذي إذا حاولت ارتشاف قطرة ماءٍ صغيرة لتصل إلى معدتى سببت لي ألماً جماً مروراً بمريئي المتقلص! هل كنت علي قيد المرض أم على قيد الأمل أم لم أكن علي قيد الحياة من الأساس تلك الفترة العصيبة وإن كنت كذلك وقد تم إحتسابى في عداد الموتى؛ فمن قال أن الموتى لا يشعرون؟!
كانت الحياة تبدو مختلفة ما قبل الدخول إلى تلك الغرفة، فما يحدث فيها أشبه بالدخول في فوهة آلة زمنية تُقاس وحدتها بفترة دخول الغرفة وفترة ما قبل دخول تلك الغرفة اللعينة، فترتين زمنيتين من الوعي واللاوعي أو انفصال الروح عن الجسد وإليكم التجربة.
كانت الساعة الرابعة فجراً، إضاءات صارخة حادة موجهة لعيني من اتجاه رأسى لسقف عالي لغرفة جراحة وأنا مُلقاة مُمدة علي سرير كبيرالحجم أرى حولي وعلى جانبي السرير مايزيد عن سبعة وجوه لأناس تبدو غير مألوفة تميل لكونها موحشة بعض الشيء؛ فالبعض يبتسم لي ابتسامة مخيفة والبعض ممتعض والبعض معتم القلب ربما من فرط التمرس في مثل هذه المواقف؛ فسوف ينتهي من تقطيع جسدي وتشريحه ثم يلقيني في ثلاجة الموتى كعادته اليومية. ماعدا ثلاثة أوجه هما وجهي أبى وأمي، وملاكاً حارساً أبيض الوجه بشعر فضى اللون منسدلاً علي عينيه كلآلئ من نور، حينما رأيتهم أمامي بأجنحة ملائكة وقتها فقط أسلمت أمري لله بإذنٍ مُطَمئنٍ منهم بأن أغيب عن الوعي وأن أترك هؤلاء الأرواح المجندة لأداء مهمتهم بإنقاذ روحي وإعادتها مرة أخرى للحياة.
بدأت أعيني في الشعور بصدمة المُهدئ ثم ثقُل لساني وفقدت القدرة علي الكلام أو التعبير ثم تشنجت أرجلي كشلل مؤقت لكن قلبي لازال ينبض ثم تيبست مفاصلي وتوقفت تماماً عن الحركة وصرت أرى نفسي بمكان فسيح كجنة مليئة بزهرة عصفور الجنة، تحوطها هالة بيضاء وأنا بمنتصفها أرتدي فستاناً أبيض اللون كأميرات العصر الفيكتوري وأتزين بتاجٍ من الورود المرصعة بالألماس وشالاً من الحرير الطبيعي من فرط نعومة ملمسه كنت أتمايل من السعادة، ثم فجأة تبدل الحال وأحسست بألمٍ يخرج من رحمي كألم المخاض وتخرج معه ومنه فتاة منهكة القوى تتألم بشدة وتُصدر صراخاً مُخيفاً وهي تجر وشاحاً أسوداً ممتلأً بالدماء وتتجه نحو طرقة مظلمة تردد بصوت يرتجف "يا قوي يا متين" وهناك علي الأفق البعيد مرافقة لهذه الفتاة جاءت لتمسك بيدها وتأخذها بعيداً تُدعى "الليدي ديانا" أعرفها جيداً تربطني بها صلة دم؛ فهي أختي من أصول ملكية لكني لا أستطيع مناداتها؛ فقد عجز لساني عن الكلام، وأنا أتسائل وأُشاهد من بعيد كيف خرجت تلك الفتاة الشابة بوشاحها من رحمي ورحلت عن جسدي وهي تمشي بعيداً ومن أين ظهرت مرافقة لها راحلون عني وإلى أين، وقد تلون فستاني الأبيض بلون الدماء ولم أعد أرى زهرتي المفضلة بالجوار لكني رأيت على مرمى نظري تلك اللافتة البيضاء مكتوب عليها بخط عريض وبلون أسود "فلتكن مشيئتك" ثم فقدت الوعي.
قال الأطباء بعد مرور ما يزيد عن الخمس ساعات أنها نجت بمعجزة إلهية وهي حالياً في غرفة الإفاقة. تَصفُني أمي دوماً بالملاك ويصفني أبي بعصفورة الجنة وأنا لا أؤمن بكوني ذاك الملاك فلو كنت كذلك لإستجاب الله دعوتي بأن يظل أبي على قيد الحياة ما حييت أو بأن يخلصني الله من داء جسدي للأبد.
يُتبع 
 

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية