العدد 5168
الخميس 08 ديسمبر 2022
شيرين فريد
الحفيد “نور الدين”... رائحة أبي
السبت 24 سبتمبر 2022

لم يكن من اليسير على أبي أن يهدي قطعة من قلبه لشخص ما، ولكن تلك سُنة الحياة.. سأتحدث عن أختي الكبرى والبكر “ست البنات”.. فبعد محاولات عديدة أغلبها باء بالفشل ممن يتقدمون لخطبة “السفيرة عزيزة” ظل أبي رافضًا! وكان يتمنى أن يهديها لمن يستطيع الحفاظ على أمانها وسلامتها، فقد كان يعتبرها قطعة ألماس باهظة الثمن ومن يمتلكها لابد أن تتوفر فيه مواصفات خاصة.
من ضمن المتقدمين للزواج من أختي ظهر شخص ما لديه ما يكفيه من التدين والإصرار والحب والثقة في النفس ليتقدم للزواج، ولكن تم رفضه من قبل أبي ولم يمل من تكرار رفض أبي له عدة مرات إلا أنه وافق عليه في المرة الخامسة موافقة مبدئية، فقد أُعجب أبي بإصراره وتمسكه، ثم أعطى أبي موافقته النهائية على إهدائه “ربة الصون والعفاف” .. ربما لم يغمر أبي ابنته الكبرى بالذهب والمجوهرات الثمينة عند زواجها، لكنه غمرها منذ طفولتها بما هو أثمن، فلم يبخل عليها أبي بالحب والحنان والدلال وطيبة القلب، بل وزرع بداخلها - منذ صغرها - حب العلم، فأصبح من أسمى مبادئها أن تتعلم وتنمي قدراتها في مجالها إلى أن صارت مربية أجيال يُفتَخَر بها بل ويشْهد لها الآباء والمعلمون بذلك على نجاحها وكيف أنها تؤثر في أجيال صغيرة خلقًا وعلمًا.
كانت فرحة أبي لا تُوصف حينما علم بأن أختي في فترة حملها الأول ستُرزق بمولود ذكر، فقد ملأ أبي منزلنا بكافة الألعاب.. كان يشتري كل يوم لعبة إلى أن ملأ غرفة بالكامل وأطلق عليها غرفة نور الدين حفيدي، الغرفة التي تم تحذيرنا بالكامل عدم العبث بأي لعبة بداخلها!! .. لم أرى أبًا يدلل ابنته الحامل مثلما رأيت أبي يفعل لأختي الكبرى .. قبلما كانت تشتهي أكلة معينة أو مشروب أو أي نوع فاكهة ولو كانت في غير موسمها كان يحضرها لها على الفور وكان يسافر طويلا ليأتي لها بما تمنته .. إنه أبي وإنها الأميرة المدللة التي تُجاب أوامرها.
وجاءت الليلة المنتظرة والمحددة لموعد ولادة أختي .. أتذكر أن أبي لم يستطع المكوث في مكان واحد ذهابا وإيابا دون طعام ولا شراب حتى خرج حفيده وابنته بسلام . كان “نور الدين” نور قلب أبي، فقد كان لا يُفارقه كان يتحدث معه وهو يهدهده كأنه واعٍ لكل كلماته .. تربي على يد أبي خطوة بخطوة، فقد كان نور الدين يرافق أبي في كل مكان في المنزل وخارجه .. إلى أن صار أبي يستعين به في أعمال التصليحات والنجارة الخاصة بالمنزل، فكان “نور الدين “ المساعد الماهر واليد اليمنى لأبي في كافة المهام المنزلية والخارجية بل وكاتم أسراره الأمين.
لم أر السعادة في أعين أبي مثلما رأيتها، وهو يحمل حفيده الأول ويتحدث إليه كأنه صديقه بل وسنده في الحياة وحتى حينما كبر على يديه سنة تلو الأخرى ازداد تعلقه به، فقد كان يفتقده حينما يأخذه والده وأحيانا أخرى كان يبكي من شدة حبه وتعلقه بحفيده .. كان “نور الدين “يمثل  فرحة الحياة في أعين أبي والآن هو لي بمثابة طاقة نور تنبعث من قلبي لعقلي وكأنه من تبقى لي من رائحة أبي، فأنا أرى بعض من صفات أبي فيه مثل الذكاء الحاد والإصرار على النجاح وما أتوقعه في يوم من الأيام قريبا أن “ نورالدين “ سوف ينهي دراسته بتفوق كعادته كل عام ليصير شابا متميزا محبوبا مشهورا بخلقه وعلمه وخوفه من الله وسوف يتقلد منصبا مؤثرا في المجتمع قولا وفعلا مثلما كان أبي.

 شيرين فريد

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .