نُحاول في هذه السِّلسلة أنْ نستعرض صورًا مشرقةً لنماذج من عصر النبوة ساهمت بقدراتها وملكاتها في تحقيق الفكرة المركزيّة من رسالة الإسلام ورفع مستوى القيم الإنسانيّة بما أثرته من معارف وأداءات سلوكيّة ونتاجات ملموسة على أرض الواقع ساهمت الفطرة (الوراثة) والبيئة المحيطة والقدوات والتجارب في صقلها وتطويرها، ومن هذه النماذج:
اشتهر عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه بين الصحابة الكِرام بالقضاء، فقال فيه عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه: "أقضانا عليّ"، حتّى قالوا إنّ عمرَ رضي الله عنه لم يكن يقطع برأيٍ في الأمور المهمّة قبل أنْ يستشيره، وبرز دوره الجليّ في التنظيمات الإداريّة والماليّة في الدولة.
• هذا الصحابي الجليل موسوعة ومتعدد المواهب وإنْ كان بروزه في القضاء لا يُنكِره جاحدٌ مما عاش في عصره أو قرأ في ملّفات سيرته وأحكامه في المُعْضِلات، ترعرع في بيت النبي ﷺ واستفادة منه أيّ استفادة، إضافة إلى ما كانَ يمتلكه من استعدادات متوثّبة للتفوّق في شتى مجالات العطاء السائدة آنذاك، وما وهبَه الله تعالى من قدرة على الاجتهاد فيما لا نص شرعيّ صريح.
خالد بن الوليد بن المغيرة رضي الله عنه، مدحه رسول الله ﷺ قائلاً عنه: (نعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليدِ سيفٌ من سيوفِ اللهِ)، وكان إسلامه قبل فتح مكة، وكان والده سيِّداً في قُريش، ولُقّب بريحانةِ قريش، تَميَّز بالقيادِة وفنون القِتال، والحزْم، والشَّجاعة، والذَّكاء.
• كانَ رضيَ اللهُ عنه موهوبًا قبل أنْ يدخل الإسلام وبعده لم يُهزم في أيّ معركة أو غزوة قط، يُشار إليه بالبنان، ويَهاب أعداؤه من ذكر اسمه ناهيك عن رؤيته فوق حِصانه، واستمرّ في عطائه وإبداعاته الحربيّة في سبيل الله من دون أنْ تخفت جذوة همّته أو تضعُف قوّة مهاراته مع تطاول الزمن وتقلّباته، وقد ورِث ذلك من خلال تجاربه الكثيرة ومواقفه المتنوِّعة التي عاصرها وسمع عنها منذ نعومة أظفاره.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ"، وعنه رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءً، قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا"، فَأُخْبِرَ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". كما روى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن ابن عمر، قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد، وعن مسروق قال: (كنت إذا رأيتُ ابن عباس، قلت: أجمل الناس، فإذا نطق، قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس، وقال مكحول: قيل لابن عباس: أنَّى أصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول.
• نهل ابن عباس رضي الله عنهما العلم من النبي ﷺ وقتَ ما كان يافِعًا من دون كلل أو ملل، وتنزَّه عن لهو أقرانه فبزَّهم في العلم الشرعي المتَّصل بكتاب الله عزّ وجل وتفسيره وأحكامه، وكان مرجِعًا ثقةً ليس في عصره فقط وإنّما تجاوز إنتاجه العلمي الغزير الزمن إلى أنْ يرث الله الأرض ومن عليها.
عُرض على عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عرضٌ مُغرٍ من قِبَل أخيه سعد بن الربيع رضي الله عنه، ولكنه أبى إلا أن يكون مستقلًّا بقراره، وبعفة نفس، وبثقة عالية برزق الله سبحانه، طلب منه أن يدلَّه على السوق، وبعد أيام من دخوله السوق تزوَّج وأَمهرَ نواة من ذهب، وأولَم بشاةٍ بناءً على توجيه من رسول الله ﷺ. وقال عن نفسه لقد رأيتُني لو رفعتُ حجرًا، لوجدتُ تحته فضة وذهبًا.
• يعدُّ من أغنياء المهاجرين، ومن روّاد الأعمال كما يُصطلح عليه في عصرنا الحاضر ومن كِبار التِّجار الذي لم يدِّخر مما يملك درهِمًا واحدًا في سبيل الله ورسالة نبيِّه ﷺ، لم يكُن عند هجرته إلى المدينة المنوَّرة سلبيًّا ولا مسترخيًا إلى ظلِّ أحد من إخوانه الأنصار مع قمَّة إثارهم وروعته، وإنّما تحرَّك بهمّته ورجاحة عقله وبحث عن موطن تخصصه ومجال موهبته كيّ يُسهم في نفع إسلامه ودعوته، ومنْ ثمَّ يسدُّ حاجاته ويعفّ نفسه.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |