بهدف التعاقد الشفاف وليس الحرمان من الاستئجار
رئيس لجنة العقار بـ “رجال الأعمال”: استحداث خدمة للاستعلام الائتماني للمستأجرين سيحد من النزاعات بالمحاكم
-
الوقاية من النزاعات الإيجارية أقل كلفة من معالجتها قضائيا
-
التجربة الإماراتية نموذج متوازن لحماية المؤجر وخصوصية المستأجر
-
السجل الائتمانـي الجيد يعزز موثوقية المستأجر بالسـوق العقارية
دعا عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال البحرينية رئيس لجنة العقار ناصر علي الأهلي إلى ضرورة تبني خدمة الاستعلام عن المستأجر قبل تأجير الوحدات العقارية في مملكة البحرين، كخطوة استباقية للوقاية من النزاعات الإيجارية المتزايدة. وأكد أهمية الاستفادة من التجارب الخليجية الناجحة في هذا المجال، مقترحاً إطلاق خدمة اختيارية بالتعاون بين الجهات المعنية لتوفير تقييم ائتماني يضمن حقوق المؤجرين ويحافظ في الوقت ذاته على خصوصية المستأجرين، على أن يبدأ تطبيقها تدريجياً في قطاع الإيجارات التجارية، بما يعزز الثقة ويدعم استقرار البيئة الاستثمارية العقارية.
وقال الأهلي، إنه لا يكاد يمر أسبوع واحد دون أن يتم تسجيل نزاع إيجاري جديد في السوق العقارية. وأوضح أن هذه النزاعات غالباً ما تتمثل في لجوء المالك إلى سلوك الإجراءات القانونية للمطالبة بحقوقه المالية بعد تعثر المستأجر في الوفاء بالتزاماته، أو من خلال مستأجر يجد نفسه متورطاً في عقد إيجاري لم يحسب كلفته المالية بشكل دقيق. وذكر أن المحصلة النهائية لهذه الإشكالات تتمثل في وجود وحدات عقارية معطلة، وحقوق مالية مؤجلة، وتآكل مستمر للثقة بين طرفي العلاقة الإيجارية، وهي العلاقة التي يفترض أن تكون من أبسط العلاقات التعاقدية وأكثرها استقراراً على الإطلاق. وأشار الأهلي إلى أنه على الرغم مما شهدته مملكة البحرين خلال السنوات الماضية من تطوير ملحوظ للتشريعات العقارية والخدمات العدلية ومبادرات التحول الرقمي، فإن مسألة الوقاية من النزاعات لا تزال تمثل الحلقة الأهم في منظومة تنظيم سوق الإيجارات. وأكد أن كل نزاع يتم تجنبه قبل توقيع العقد يمثل مكسباً حقيقياً لكل من المؤجر والمستأجر على حد سواء، فضلاً عن مساهمته المباشرة في تخفيف العبء عن الجهات القضائية وتعزيز استقرار السوق العقارية بشكل عام.
وأضاف أن المشكلة في جوهرها ليست مشكلة غياب للقوانين، حيث أسهم قانون الإيجارات البحريني ولجان فض المنازعات الإيجارية بشكل كبير في تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر وحماية حقوق الطرفين. واستدرك مبيناً أنه من المؤسف عدم نشر الإحصاءات الرسمية الحديثة المتعلقة بالمنازعات الإيجارية بصورة دورية، ما يصعب معه الوقوف على حجمها السنوي بصورة دقيقة. واستند في تصريحه إلى آخر الإحصاءات الرسمية المنشورة عن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للقضاء، والتي تشير إلى أن المحكمة الإيجارية نظرت خلال السنة القضائية الممتدة من شهر سبتمبر من العام 2020 وحتى شهر أغسطس من العام 2021 ما يصل إلى 3676 دعوى إيجارية. وتابع أن المحكمة أصدرت 3418 حكماً بنسبة إنجاز بلغت 93 %، فيما لم يتجاوز متوسط عمر الدعوى الإيجارية شهراً واحداً. وأكد أنه رغم عودة هذه البيانات لتلك السنة القضائية، إلا أنها تظل مؤشراً رسمياً يعكس الحجم الفعلي للمنازعات الإيجارية في مملكة البحرين.
وبين أنه من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى الانتقال من مرحلة علاج النزاعات إلى مرحلة الوقاية منها، مشدداً على أن العدالة الناجزة تمثل صمام أمان حقيقي لحماية الحقوق، إلا أن الوقاية تظل دائماً أقل كلفة وأكثر أثراً من محاولات معالجة النزاعات بعد نشوئها وتفاقمها.
ومن هذا المنطلق، لفت الأهلي إلى أهمية الاستفادة من التجارب الخليجية الناجحة، مشيراً إلى أنه في شهر مايو الماضي، بدأت في دولة الإمارات العربية المتحدة خدمة الاستعلام عن المستأجر والتي أطلقها الاتحاد للمعلومات الائتمانية. وأوضح أن هذه الخدمة تتيح للمؤجر الاطلاع على الدرجة الائتمانية للمستأجر المحتمل قبل إبرام عقد الإيجار، وذلك وفق ضوابط دقيقة تحقق التوازن المطلوب بين الشفافية وحماية الخصوصية. وأكد أن الخدمة ليست شرطاً لإبرام العقد، وإنما هي أداة اختيارية تساعد على اتخاذ قرار أكثر وعياً، مبيناً أنها لا تتيح سوى الاطلاع على الدرجة الائتمانية فقط دون عرض التقرير الائتماني الكامل. وأضاف أن هذه العملية لا تتم إلا بعد الحصول على موافقة المستأجر إلكترونياً عبر الهوية الرقمية، موضحاً أنه في حال لم يوافق المستأجر، فلا يتم الإفصاح عن أي بيانات وتُسترد الرسوم تلقائياً، وهو ما يعكس نجاح التجربة في تحقيق معادلة متوازنة بين حق المؤجر في الاطلاع على مؤشر يساعده في تقييم الملاءة المالية، وحق المستأجر في حماية بياناته الشخصية.
وأعرب عن وجهة نظره بأن مملكة البحرين تمتلك جميع المقومات اللازمة لتبني خدمة مماثلة تتناسب مع بيئتها القانونية والتنظيمية، موضحاً أن البنية الرقمية المتقدمة والخبرات الوطنية في مجال المعلومات الائتمانية تشكل أساساً قوياً لبناء هذه الخدمة. ودعا إلى التنسيق المشترك بين وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، وشركة بنفت، ومؤسسة التنظيم العقاري ريرا، والجهات ذات العلاقة، بما يضمن تكامل هذه الخدمة مع منظومة عقود الإيجار والخدمات العدلية الإلكترونية.
وشدد على أهمية التأكيد بأن المقترح لا يدعو إلى فرض أي شرط جديد على أطراف العلاقة الإيجارية، بل يهدف إلى توفير خدمة اختيارية تمكن المؤجر، وبعد موافقة المستأجر، من الاطلاع على درجته الائتمانية قبل توقيع العقد، ما يساعد الطرفين على اتخاذ قرار واعٍ يحد من النزاعات المحتملة مع المحافظة التامة على الخصوصية والحقوق القانونية.
وعن الآلية المقترحة للتنفيذ لضمان نجاح المبادرة، اقترح الأهلي أن يبدأ تطبيق الخدمة بصورة تدريجية لتشمل عقود الإيجارات التجارية في المرحلة الأولى، مرجعاً ذلك لما تتسم به هذه العقود من التزامات مالية واستثمارية أكبر. وأضاف أنه يجب أن يتم تقييم نتائج التجربة بدقة قبل التوسع فيها لاحقاً لتشمل عقود الإيجارات السكنية وغيرها من عقود الإيجار، مشيراً إلى أن التدرج في التطبيق يعد من أفضل الممارسات التنظيمية كونه يمنح الجهات المعنية فرصة لتقييم التجربة وتطويرها قبل تعميمها على نطاق أوسع.
وذكر أن فوائد هذا المقترح لا تقتصر على المؤجر وحده، بل تمتد لتشمل المستأجر الملتزم الذي سيصبح سجله الائتماني الجيد عنصراً أساسياً يعزز من موثوقيته، مما قد يمنحه فرصاً أفضل عند استئجار العقارات. وأضاف أن المستثمر العقاري سيستفيد أيضاً من انخفاض مستوى المخاطر، كما ستستفيد الجهات القضائية من تراجع عدد المنازعات المرفوعة، وهو ما سينعكس إيجاباً على استقرار سوق الإيجارات، ويعزز من جاذبية الاستثمار العقاري، ويرسخ الثقة في البيئة الاستثمارية بمملكة البحرين.
وفي الوقت ذاته، نبه إلى أنه ينبغي أن يبقى التقييم الائتماني مجرد مؤشر استرشادي وليس وسيلة للإقصاء أو التمييز، موضحاً أن الهدف ليس حرمان أي شخص من فرصة الاستئجار، وإنما تمكين جميع الأطراف من الدخول في العلاقة التعاقدية على أسس أكثر وضوحاً وشفافية، بما يعزز الالتزام المالي ويحقق التوازن العادل بين الحقوق والواجبات.
وأشار إلى أنه سبق له ولزملائه العقاريين أن دعوا إلى تبني هذه الفكرة، مؤكداً أن الوقت أصبح الآن أكثر ملاءمة لإعادة طرحها في ظل وجود تجربة خليجية عملية يمكن الاستفادة منها والبناء عليها بما يتناسب مع خصوصية السوق البحرينية. وقال إن الأسواق العقارية المتقدمة لا تنتظر تفاقم النزاعات حتى تبحث عن حلول لها، وإنما تبادر ببناء منظومات وقائية تقلل من احتمالات وقوعها منذ البداية.
واختتم تصريحه مؤكدا أن تعزيز الثقة في سوق الإيجارات لا يتحقق بالتشريعات وحدها، بل يتطلب تطوير أدوات حديثة تواكب التحول الرقمي وتدعم استقرار العلاقة بين المؤجر والمستأجر وتوفر بيئة استثمارية أكثر أماناً واستدامة. وأكد من هذا المنطلق أن خدمة الاستعلام عن المستأجر ليست مجرد إجراء تقني فحسب، بل هي خطوة تنظيمية استباقية من شأنها أن تسهم في تطوير سوق الإيجارات، وترسيخ الشفافية، وتعزيز الثقة في القطاع العقاري، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويواكب تطلعات مملكة البحرين نحو بيئة استثمارية أكثر كفاءة وتنافسية.
