+A
A-

أبعاد | اتفاقية التجارة الحرة الخليجية البريطانية.. فرصة البحرين لاقتصاد الخدمات

  • الاتفاقية فرصة لتحويل البحرين إلى مركز إقليمي للخدمات والاستثمار

  • نجاح الاتفاقية يقاس بزيادة الصادرات البحرينية لا الواردات البريطانية

  • الخدمات المالية والتكنولوجيا أبرز الرابحين من الاتفاقية

  • البحرين تملك مقومات جذب الشركات البريطانية إلى الخليج

  • القيمة الحقيقية للاتفاقية تكمن في الخدمات والتجارة الرقمية

  • رفع صادرات الخدمات البحرينية هو التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة

  • القطاع الخاص مطالب ببناء شراكات لا الاكتفاء بالتصدير

  • الألمنيوم المتقدم أكثر ربحية من تصدير المواد الخام

  • تنفيذ الاتفاقية على الأرض أهم من توقيعها

  • تحويل الفرص إلى مشروعات هو مفتاح الاستفادة من الاتفاقية

 

د. حسن العاليلم تعد اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة مجرد اتفاق لإزالة الرسوم الجمركية، بل تمثل اختبارًا عمليًا لقدرة البحرين على تحويل موقعها الجغرافي وخبرتها المالية وقاعدتها الخدمية إلى مكاسب تجارية واستثمارية ملموسة. فالاتفاقية، التي تم التوصل إليها في 20 مايو 2026 بعد مفاوضات بدأت في يونيو 2022، هي أول اتفاق تجارة حرة بين مجلس التعاون ودولة من مجموعة السبع، وتقدر الحكومة البريطانية أنها ستضيف نحو 15.5 مليار جنيه إسترليني سنويًا إلى التجارة الخليجية البريطانية على المدى الطويل، بما يعادل نموًا يقارب 20 %. 
 

 لماذا تعد الاتفاقية تاريخية؟
أهمية الاتفاقية لا تأتي من كونها اتفاقًا تجاريًا جديدًا فقط، بل من توقيتها ومضمونها. فهي تأتي في مرحلة يعيد فيها الخليج العربي بناء أمنه الاقتصادي بعد اضطرابات الطاقة والشحن وسلاسل الإمداد، بينما تبحث بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي عن أسواق بديلة ذات نمو مرتفع. لذلك فإن الاتفاقية ليست بين “سوقين” فقط، بل بين كتلة خليجية تملك فوائض مالية ومشاريع تحول اقتصادي، واقتصاد بريطاني متقدم في المال، القانون، التعليم، التكنولوجيا، التأمين، والخدمات المهنية.
وهنا تكمن أهمية البحرين: فهي ليست أكبر سوق خليجية، لكنها تستطيع أن تكون منصة خدمات مالية وتجارية وقانونية ولوجستية للشركات البريطانية الراغبة في دخول الخليج، خصوصًا السوق السعودية القريبة.
 العلاقات الاقتصادية الحالية: 

نمو واضح لكنه غير متوازن
بلغ إجمالي التجارة في السلع والخدمات بين بريطانيا والبحرين 1.3 مليار جنيه إسترليني خلال 2025، بزيادة 25.1 %، أو 252 مليون جنيه، مقارنة بالفترة نفسها من 2024. لكن القراءة الأعمق تكشف اختلالًا واضحًا: صادرات بريطانيا إلى البحرين بلغت 1.0 مليار جنيه، بينما بلغت وارداتها من البحرين 238 مليون جنيه فقط، أي أن الفائض التجاري البريطاني مع البحرين بلغ 781 مليون جنيه. 
والأهم أن الخدمات أصبحت جزءًا مركزيًا من العلاقة. فمن صادرات بريطانيا إلى البحرين، بلغت السلع 628 مليون جنيه، أي 61.6 %، بينما بلغت الخدمات 391 مليون جنيه، أي 38.4 %. أما واردات بريطانيا من البحرين فكانت أكثر اعتمادًا على الخدمات: 100 مليون جنيه سلع، مقابل 138 مليون جنيه خدمات، أي أن الخدمات شكلت 58 % من واردات بريطانيا من البحرين. 
هذا يعني أن البحرين تملك بالفعل نافذة خدمية في السوق البريطانية، لكنها صغيرة وبطيئة النمو؛ إذ زادت واردات بريطانيا من الخدمات البحرينية 3 % فقط، مقابل نمو صادرات الخدمات البريطانية للبحرين 15.7 %. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فتح السوق، بل رفع قدرة البحرين على تصدير الخدمات المالية، التقنية، القانونية، التعليمية، والاستشارية.
أما اتجاهات التجارة فتظهر أن العلاقة استعادت زخمًا بعد تراجع 2023. فقد ارتفع إجمالي التجارة من 890 مليون جنيه في 2023 إلى 1.005 مليار في 2024، ثم 1.257 مليار في 2025. لكن الفائض البريطاني قفز من 366 مليون جنيه في 2023 إلى 551 مليونًا في 2024 ثم 781 مليونًا في 2025، ما يؤكد أن البحرين تحتاج إلى استراتيجية هجومية لزيادة صادراتها لا الاكتفاء بزيادة الواردات.

مضمون الاتفاقية: أكثر من تخفيض رسوم
تتضمن الاتفاقية إزالة الرسوم على نحو 93 % من الصادرات البريطانية إلى الخليج العربي، بما يعادل 580 مليون جنيه سنويًا من الرسوم عند التطبيق الكامل، منها 360 مليون جنيه تزال من اليوم الأول. كما تلتزم دول المجلس بتحرير 90 % من خطوطها الجمركية خلال عشر سنوات. 
لكن القيمة الحقيقية للاتفاقية في بنود الخدمات والتجارة الرقمية. فهي توفر يقينًا أكبر لمزودي الخدمات المالية والقانونية والمهنية، وتحسن الشفافية التنظيمية، وتدعم التجارة الرقمية، وتسمح بحرية أكبر في تدفق البيانات المالية بين بريطانيا ودول الخليج، بما يمكن شركات الخدمات المالية البريطانية من تخزين ومعالجة البيانات خارج المنطقة. 
كما تتضمن الاتفاقية تيسيرًا جمركيًا مهمًا، مع التزام بتخليص السلع خلال 48 ساعة، والسلع القابلة للتلف خلال 6 ساعات عند استكمال المتطلبات. وهذا بند جوهري للبحرين إذا أرادت بناء دور في إعادة التصدير، الأغذية المتخصصة، الأدوية، التجارة الإلكترونية، وسلاسل الإمداد السريعة. 
ومن البنود اللافتة أيضًا الاتصالات، حيث تشير التحليلات القانونية للاتفاقية إلى أنها تتضمن التزامات متقدمة بشأن النفاذ العادل إلى شبكات الاتصالات، الترخيص، الربط البيني، وعدم التمييز ضد الموردين الأجانب. وهذا يفتح مجالًا للشراكات في الحوسبة السحابية، الأمن السيبراني، مراكز البيانات، وخدمات التكنولوجيا المالية.

ماذا تكسب البحرين؟ القطاعات المستفيدة
أول مكسب بحريني محتمل هو الخدمات المالية. فالقطاع المالي والتأميني أصبح أكبر مساهم في الناتج المحلي الحقيقي، وبلغت مساهمته 17.8 % بالعام 2025، بينما شكلت الأنشطة غير النفطية 85.8 % من الناتج المحلي الحقيقي في 2025. 
هذا يعني أن البحرين مؤهلة لتسويق نفسها كمركز خليجي للخدمات المالية: إدارة الثروات، المصارف الإسلامية، التأمين، إعادة التأمين، الامتثال، المدفوعات، التمويل المفتوح، وخدمات التكنولوجيا المالية. كما أن الاتفاقية تدعم قطاع الخدمات المهنية، مثل الاستشارات، المحاماة، المحاسبة، التحكيم، التدريب، والتعليم التنفيذي.
أما في الصناعة، فالألمنيوم يبقى ركيزة مهمة. فقد بلغت صادرات البحرين غير النفطية ذات المنشأ الوطني 1.047 مليار دينار في الربع الرابع 2025، وكان الألمنيوم غير المشغول أكبر بند تصديري بقيمة 306 ملايين دينار، أي 29 % من الإجمالي. 
غير أن الفرصة الأكبر ليست تصدير الألمنيوم الخام، بل بناء سلاسل قيمة أعلى: مكونات صناعية، أجزاء سيارات، مواد بناء متقدمة، منتجات ألمنيوم للهندسة والطاقة النظيفة. كما يمكن أن تستفيد اللوجستيات، السياحة العلاجية، التعليم العالي، التدريب المهني، التجارة الإلكترونية، والصناعات الإبداعية.

فرص القطاع الخاص: من التصدير إلى الشراكة الذكية
القطاع الخاص البحريني لا ينبغي أن يتعامل مع الاتفاقية كفرصة بيع تقليدية، بل كمنصة لبناء تحالفات. يمكن للشركات البحرينية إنشاء “ممر خدمات بحريني بريطاني” يربط المصارف، شركات المحاماة، شركات التقنية، ومكاتب الاستشارات بين المنامة ولندن.
ومن الأفكار العملية: تأسيس برنامج “Bahrain-UK Export Accelerator” لمساعدة الشركات الصغيرة على فهم السوق البريطانية، قواعد المنشأ، الضرائب، العقود، شهادات الجودة، ومعايير الاستدامة. كما يمكن إنشاء منصة رقمية تضم الفرص القطاعية، الشركاء البريطانيين المحتملين، المناقصات، ومتطلبات التصدير.
ويمكن للبحرين أن تعرض نفسها كمختبر خليجي للشركات البريطانية الصغيرة والمتوسطة: تكلفة تشغيل أقل من بعض المراكز الخليجية الكبرى، نظام مالي متطور، قرب من السعودية، وبيئة تنظيمية مرنة. كما يمكن تطوير حاضنة مشتركة للتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي في الخدمات المصرفية الإسلامية، وهو مجال لا تملك بريطانيا فيه الخبرة الشرعية والمؤسسية التي تملكها البحرين.

الرابحون والتحديات
الرابحون المحتملون هم الخدمات المالية، التكنولوجيا المالية، الاتصالات، التعليم، التدريب، اللوجستيات، الاستشارات، الصناعات التحويلية، والألمنيوم المتقدم. لكن هناك تحديات حقيقية: زيادة المنافسة من السلع والخدمات البريطانية، احتمال اتساع العجز التجاري إذا لم ترتفع الصادرات البحرينية، وضعف جهوزية بعض الشركات الصغيرة للمعايير البريطانية.
لذلك فإن المؤشر الحقيقي لنجاح الاتفاقية بالنسبة للبحرين ليس نمو الواردات، بل ثلاثة مؤشرات: ارتفاع صادرات الخدمات البحرينية إلى بريطانيا، زيادة عدد الاستثمارات والشركات البريطانية التي تتخذ البحرين مقرًا إقليميًا، وارتفاع صادرات السلع ذات القيمة المضافة لا المواد الأولية فقط.
مقارنة مع اتفاقيات الخليج الأخرى
تختلف الاتفاقية البريطانية عن اتفاقيات دول الخليج العربي مع سنغافورة أو رابطة التجارة الحرة الأوروبية أو كوريا الجنوبية لأنها تربط الخليج العربي باقتصاد خدمات عالمي. بريطانيا ليست مجرد مصدر سيارات وأغذية وأدوية، بل مركز عالمي للتمويل، القانون، الجامعات، التأمين، التحكيم، التكنولوجيا، والصناعات الإبداعية. ولذلك فهي أكثر اتصالًا بنموذج البحرين الاقتصادي القائم على الخدمات.
 الاتفاقية تمنح دول الخليج العربي شريكًا اقتصاديًا غربيًا إضافيًا في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الصين، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والهند. كما أنها تأتي في ظل اضطرابات إقليمية أثرت على الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد. بالنسبة للبحرين، التي تتأثر بأي توتر في الخليج، فإن تعميق الشراكات التجارية والخدمية ليس ترفًا اقتصاديًا بل جزء من الأمن الاقتصادي.

ماذا يجب أن تفعل البحرين الآن؟
اللقاءات الأخيرة تعطي مؤشرًا مهمًا إلى أن مرحلة ما بعد الاتفاقية بدأت فعليًا. ففي 11 مايو 2026 عُقد اجتماع افتراضي بين وزراء تجارة دول المجلس والجانب البريطاني، وترأسه وزير الصناعة والتجارة البحريني عبدالله بن عادل فخرو بصفته رئيس الدورة الحالية، وناقش الاجتماع إزالة العقبات المتبقية وتهيئة الاتفاق للتوقيع. ثم تم التوصل إلى الاتفاق بعد محادثات نهائية في لندن في 20 مايو 2026. كما وقعت البحرين وبريطانيا في يونيو 2026 اتفاق تعاون جمركي يهدف إلى تطوير تبادل المعلومات، وتعزيز التعاون الفني، وإنشاء لجنة فنية مشتركة، وهو تطور مهم لأنه يحول الاتفاقية من نص تجاري إلى آليات تنفيذية على الأرض. المطلوب الآن أن تطلق البحرين خطة تنفيذ وطنية من خمسة مسارات: خريطة للقطاعات القابلة للتصدير، مكتب مساعدة للشركات الصغيرة، برنامج لجذب الشركات البريطانية، مسار خاص للخدمات المالية والتكنولوجيا، ولجنة متابعة تقيس الأثر بالأرقام كل ستة أشهر.
الخلاصة أن الاتفاقية الخليجية البريطانية لن تكون مكسبًا تلقائيًا للبحرين. قد تتحول إلى قناة لزيادة الواردات البريطانية فقط، وقد تتحول إلى منصة لإعادة تموضع البحرين كمركز خدمات واستثمار وتجارة بين بريطانيا والخليج العربي. 
الفارق بين الاحتمالين لا تصنعه الاتفاقية نفسها، بل تصنعه سرعة البحرين في تحويل النصوص إلى مشروعات، والفرص إلى عقود، والعلاقات التاريخية إلى قيمة اقتصادية مضافة.