يُنقل أنّه تضررّ منها كثيرًا، فأراد التخلص منها جميعًا، تلك هي قصة المزارع الذكي مع مجاميع الفئران الضّارة التي انتشرت بكثرة في مزرعته وقضت على محاصيله، إلا أنّه لم يبذل أيّ جهد في مطاردتها إلى جحورها، ولم ينصب لها شباك المصائد، بل قام بإلقاء جثة “خنزير ميّت” في بئر عميقة قام بحفرها وسط مزرعته، ثم قام بدفع مجاميع تلك الفئران إليها وأغلقها عليها، حتى وجدت نفسها بعدئذٍ في قاعها المظلم أمام وليمة جاهزة، فبدأت تأكل وتأكل حتى شبعت، إلى أن اكتشفت في نهاية الأمر أنّها سجينة ذاك البئر بعد محاولات خروجها اليائسة، حتى نفد اللحم عنها واشتدّ الجوع بها. وإلى هنا، اتخذت القصة بعد مرور وقت ليس بالطويل. منعطف آخر حين بدأت الفئران يأكل بعضها بعضًا، حيث لم يتبقَ منها إلا فأر واحد، عندها فتح المزارع باب النجاة للفأر اليتيم، ليُطلقه في الحقل ليكمل المهمة نيابة عنه للقضاء على بني جنسه من ناحية، ويُوفر على صاحب المزرعة عناء المواجهة من ناحية أخرى.
تبدو -نظير قصة المزارع والفئران- إذا ما حلّت هي بأجواء المحبة والتسامح والتكاتف والتآخي والتعايش الذي تختفي بعدئذٍ عن ساحته الشرور وتنتفي الخلافات وتتلاشى الأحقاد وتُنبذ العنصرية وتُهزم الطائفية، بعد أنْ تُصيّر الأساس في قبول الذات وتقبّل الآخرين، إنها “الوحدة الوطنيّة” التي لعبت أدوارها المؤثرة في بناء الأفراد والجماعات الإنسانية، كما أسهمت في ازدهار الدول والحضارات البشرية على أبرز ركائز الحبّ وأهمّ دعائم الانتماء التي تجمع بين أبناء البقعة الواحدة، فتحول دون تحولّها إلى “أسواق مفتوحة” للتدخلات الخارجية البائسة بعد سيادة مفاهيم النهوض بالأوطان الحقّة وبروز التلاحم الشعبي الخالص الذي تزدهر منه المؤسسات وتُحمى به المكتسبات.
نافلة:
إنّ لمهابة اللغة “المتعقّلة” بين رجالات البحرين الغيارى مُغايرة في مشهدها تمامًا عن مشهد فئران البئر المؤلم وهي يأكل بعضها بعضًا، حتى خروج الفأر الأخير الذي توّهم انتصاره على بني جلدته، في حين أنّه كان أكثر الضحايا خداعًا بعد أنْ أضحى مقّيدًا لنفع وإفادة سواه. لماذا؟ لأنّ القناعة البحرينية الخالصة لهذا البلد الولّاد بالعطاءات، تكمن في ألباب شواهق الرجال حكمة وحلمًا -أي العظماء في التسيير الصائب لمجريات الأمور- ممّن أبلغتهم تلك القناعة أنّه ليس كل مَنْ يبقى واقفًا بعد مآسي التقلّبات وتبعات التوترات ظافر منتصر، بينما هم -على الضفة الأخرى- خير مَنْ أدار الأزمات في احترافية عالية أدارت دفّة المشهد بحكمة وثقة وثبات واقتدار، على منهاج رصين لمواجهة التحديات وحماية المكتسبات التي تُرجمت حقيقة وواقعًا في الرؤى الحكيمة والعمل المتكامل والجهود المخلصة في أحلك الظروف وأدّقها.
*كاتب وأكاديمي بحريني