العدد 6479
السبت 11 يوليو 2026
ما بين الحقيقة وأوهام الإدمان على الشاشات
السبت 11 يوليو 2026

في محاولة لكتابة المقالة الأسبوعية، التي وعدتكم بأن أساهم فيها بتقديم مقترحات للتقليل من الجلوس فترات طويلة مع الأجهزة الحديثة والشاشات، ومتابعةً للمشكلات التي باتت تجابه الأفراد جراء الإدمان على الشاشات على الرغم من أهميتها الجمة لهذا العصر الموصوم بها للأسف، وهي سلاح ذو حدين بات يجلب الإدمان والاكتئاب أثناء التعامل معها فترات طويلة، وجدتني في حيرة من أمري، ورأيت أن الشرح قد يطول والأمر ليس بالسهولة الممكنة، وذلك لشدة تغلغل الإنترنت في كل شيء تقريبًا من احتياجاتنا في هذا العصر، ولأن الحديث قد يكون من التعقيد كمن دخل عش الدبابير! فالأمر يكمن في الإرادة الشخصية والنفسية للفرد بسبب ذلك التعلق وأسبابه، إذ إن اللجوء إلى تلك الأجهزة في تلبية احتياجاتنا أصبح من الأهمية بمكان في كل صغيرة وكبيرة، أو بسبب الوحدة والفراغ وعدم وجود عمل آخر، أو لكونها بديلًا للانشغال والتسلية، أو لأن المرء مجبر على ذلك بسبب العمل أو الوظيفة التي تفرض عليه الجلوس ساعات طوال!
وبذلك تصعب المهمة التي اعتقدت بأنها عملية سهلة، ولكنني بعد الدراسة والتمحيص قررت أن أخوض التجربة مع بعض الاقتراحات الأساسية التي تحتاج إلى بعض الجهد والمثابرة للتقليل من الاعتماد الكلي على الأجهزة والرغبة في التغيير، وذلك لتحسين المزاج والتخلص من الشعور بالوحدة والاكتئاب الذي استفحل في السنوات الأخيرة، وأصبح مرض العصر والتعود على الحياة الافتراضية.
وإذ أبدأ هذه المقترحات بأطفالنا، الذين هم الأساس في تكوين الشخصية والعادات مستقبلًا، فعلينا مراقبة الوقت المحدد لاستعمالهم هذه الأجهزة، وأن يحدد بساعة أو أكثر قليلًا في اليوم للأعمار الصغيرة، وذلك تجنبًا للضرر الذي قد يؤدي إلى قصور في نموهم ونضجهم، مع مراقبة البرامج الخاصة بالتسلية واختيار ذات الفائدة منها، وتحاشي أفلام العنف والأشياء المزعجة، وشغل أوقاتهم بالقراءة الورقية واللعب والرياضة والأصدقاء، والتفاعل اليومي معهم.
أما الخطوة التالية فتتعلق بحالات الارتباط بالأجهزة بسبب العمل أو الوظيفة التي لا مفر منها، وهنا قد تكون المشكلة أكثر تعقيدًا وصعوبة. وأقترح في هذه الحالة أن يقوم الفرد بتقسيم اليوم إلى ساعات محددة للعمل يرتاح بعدها، ويقوم بالتمرينات الرياضية لإنعاش الحركة الجسدية، والتواصل مع محيطه من خلال حوارات مع العائلة والأصدقاء للتخفيف من حدة الجلوس ساعات طويلة، ومن العيش السلبي الافتراضي، ومن التركيز المضني في أضواء الشاشة.
أما الخطوة الثالثة والخاتمة المهمة فهي الرغبة في محاولة العودة للحضور الإنساني من أجل التسلية وإعادة الحميمية للحياة عوضًا عن الصداقات الرقمية والوهمية عبر الشاشات، ومحاولة تحديد أوقات وأماكن في المنزل لتحاشي حمل الهاتف النقال، مثل غرف الطعام والنوم وأماكن الجلوس مع العائلة والأصدقاء، والعودة للمكالمات الهاتفية عوضًا عن إرسال الرسائل النصية، وإعطاء الوقت الكافي للتواصل مع العائلة ومشاركة تفاصيلها.
وكذلك ممارسة الرياضات الذهنية والبدنية التي تجبر الأيدي والعيون على المشاركة وتكوين صداقات جديدة، والعودة إلى الهدوء والبطء في الحركة اليومية، والالتزام بالقراءة، والتعرف على ما يدور في عوالم القصص والأحداث من خلال الكتب والجرائد الورقية عوضًا عن الشاشات، ومحاولة اكتساب مهارات جديدة من الفنون المتعددة كالرسم والنحت والنجارة وغيرها، أو محاولة كتابة المذكرات أو القصص أو المقالات.
ولعل المقاومة الحقيقية ليست فقط في التقليل من التواصل مع الشاشات، وإنما في إعادة اكتشاف النفس، وما يجعل الإنسان إنسانًا حقيقيًا قادرًا على الإصغاء والجلوس مع العائلة والناس في كل المجالات الحياتية لزيادة التعاطف والصداقة والحميمية، والقدرة على الجلوس مع النفس دون خوف أو توجس.

*طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .