السينما البحرينية تحافظ على حضورها الإبداعي
قراءة في نتائج مهرجان أفلام السعودية 12
تحت غطاء الشعار الفلسفي "كل حكاية رحلة"، طوى مهرجان أفلام السعودية السجادة الحمراء لدورته الثانية عشرة، معلناً ختام أسبوع سينمائي استثنائي احتضنه مسرح مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالظهران. هذا الختام لم يكن مجرد مراسم لتوزيع الجوائز، بل جاء بمثابة قراءة نقدية عملية لملامح سينما سعودية وخليجية جديدة، تتلمس طريقها بجرأة نحو تفكيك مفاهيم الهوية، الذاكرة، والتحول عبر الشاشة الفضية، مدعومة ببنية إنتاجية ومعرفية قوية أثبتت أن الحراك الحالي تجاوز مرحلة التأسيس ليدخل مرحلة النضج الفني والتجاري.
تجلى هذا النضج بوضوح في خيارات لجان التحكيم التي اتسمت بالتنوع والعمق النقدي، حيث ذهبت جائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل إلى فيلم "هجرة" للمخرجة شهد أمين، وهو عمل يرسخ تيار السينما البصرية ذات البعد الشاعري والمقاربة الفنية المغايرة، في حين قاسمته السينما الخليجية والعربية التميز من خلال فوز فيلم "إركالا.. حلم كلكامش" للمخرج محمد الدراجي بالنخلة الذهبية للفيلم الخليجي الطويل. ولم تخلُ المنافسة من الاحتفاء بالأداء الأدائي اللافت، وهو ما تجسد في انتزاع الفنانة سارة طيبة جائزة أفضل تمثيل عن دورها في فيلم "مسألة حياة أو موت" للمخرج أنس باطهف، والذي حظي أيضاً بتنويه خاص، مما يعكس تصاعداً ملحوظاً في جودة الإخراج السينمائي الطويل وقدرته على إدارة الممثل ومخاطبة الجمهور بأسئلة وجودية واجتماعية لا تنتهي بانتهاء عتمة الصالة.
على صعيد السينما القصيرة والوثائقية، أثبتت النتائج أن الأجيال الجديدة تمتلك أدوات تعبيرية شديدة التكثيف والذكاء؛ إذ حصد فيلم "مجهول" لإبراهيم البكيري جائزة الفيلم القصير، وحافظت السينما البحرينية على حضورها الإبداعي بنخلة الفيلم الخليجي القصير التي ذهبت لفيلم "بذرة" للمخرج سلمان يوسف. بينما منحت مسابقة الوثائقيات صك التميز لفيلم "ضباب البارود" للمخرج سعد طحيطح، إلى جانب الحضور اليمني المتميز عبر فيلم "فريحة" لبدر يوسف، لتؤكد هذه الأعمال مجتمعة أن الوثيقة البصرية في المنطقة أصبحت أداة نقدية وتوثيقية بالغة الحساسية والجمال.
هذا التحول الفني والجمالي لم يكن ليعمل في فراغ؛ فالأرقام الصادرة عن "سوق الإنتاج" تكشف عن ركيزة اقتصادية صلبة تقود هذا الحراك، حيث قفز حجم الدعم المالي والخدمي المقدم للمشاريع السينمائية بنسبة تجاوزت 60% مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى أكثر من 4 ملايين ريال. هذا النمو المالي المتسارع، إلى جانب الدعم المستدام من مركز "إثراء" وهيئة الأفلام وجمعية السينما، يحوّل المهرجان من مجرد احتفالية سنوية إلى منصة حيوية للتمكين وتطوير المحتوى الأصيل القادر على المنافسة دولياً.
ومع إسدال الستار، لم يتوقف المهرجان عند الاحتفاء بالماضي أو تكريم الرواد مثل المخرجة هيفاء المنصور، بل فتح نافذة مشرعة على المستقبل. إن إعلان مدير المهرجان الشاعر أحمد الملا عن تأسيس لجنة استشارية عليا، وتسليم الإدارة الفنية للمخرج والناقد عبدالمحسن الضبعان للدورة المقبلة، يعكس وعياً مؤسسياً يهدف إلى مأسسة التجربة وتطوير أدواتها النقدية والفنية، لتظل الحكاية السينمائية السعودية رحلة مستمرة لا تفرغ من عابريها ولا تتوقف عن إثارة الدهشة.
