+A
A-

أبعاد | السوق الخليجية المشتركة.. من مشروع تكامل اقتصادي إلى ضرورة استراتيجية ضاغطة

  • السوق الخليجية المشتركة أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها المتغيرات العالمية

  • الأزمات الإقليمية أثبتت أهمية بناء سوق خليجية أكثر تكاملا

  • تحويل 6 أسواق وطنية إلى سوق واحدة يعزز القوة الاقتصادية

  • التكامل الخليجي لم يعد مشروعا مستقبليا بل استحقاقا راهنا

  • وحدة الأسواق الخليجية ترفع القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية

  • القوة الاقتصادية الخليجية تحتاج إلى سوق موحدة تترجم إمكاناتها

  • الربط اللوجستي والرقمي أساس نجاح السوق الخليجية المشتركة

  • زيادة التجارة البينية مؤشر إيجابي لكنه  دون مستوى الطموحات

  • السوق الخليجية الموحدة تعزز الاستثمار وتوسع فرص النمو المستدام

  • التكامل الاقتصادي الخليجي هو الطريق الأقصر لتعظيم النفوذ الاقتصادي

 

د. حسن العاليتطرقنا في تقارير سابقة إلى قضايا التكامل الاقتصادي الخليجي من زوايا متعددة. غير أن العودة مجددا إلى موضوع السوق الخليجية المشتركة لا تعني تكرارا لما سبق، بل تعكس حقيقة جديدة: أن التكامل الخليجي لم يعد خيارا مؤسسيا مؤجلا أو مشروعا سياسيا طموحا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية ضاغطة تفرضها التحولات العالمية، والمنافسة الإقليمية، وتزايد هشاشة سلاسل الإمداد، وحاجة دول المجلس إلى تعظيم قوتها التفاوضية في عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى.

 

أولا: لماذا نعود إلى هذا الموضوع الآن؟
نعود إلى موضوع السوق الخليجية المشتركة لأن الفجوة بين الحجم الاقتصادي لدول الخليج العربي وبين مستوى التكامل الفعلي ما تزال كبيرة. وهناك عوامل ضاغطة تدفع بقوة لتنفيذ هذا المشروع.
أبرز عامل ضاغط اليوم هو العامل الجيوسياسي. فقد كشفت الحرب الأميركية ـ الإيرانية، وما تبعها من اعتداءات إيرانية على منشآت ومرافق مدنية واقتصادية حيوية في عدد من دول المنطقة، وتهديدات وإغلاقات أو شبه إغلاقات في مضيق هرمز، أن الاعتماد على سلاسل إمداد منفردة أو ممرات بحرية محدودة يمثل خطرا مباشرا على الأمن الاقتصادي الخليجي.
يمر عبر مضيق هرمز، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية لعام 2025، نحو 15 مليون برميل يوميا من النفط الخام، أي ما يقارب 34 % من تجارة النفط الخام العالمية المنقولة بحرا. كما تمر عبره كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصا من قطر، بما يجعل أي إغلاق أو اضطراب في المضيق صدمة مباشرة لأسواق الطاقة العالمية وللدول الخليجية نفسها. وخلال الأزمة الأخيرة، أشارت تقارير دولية إلى تراجع حاد في حركة السفن عبر المضيق، وإلى أن عدد العبور اليومي الذي كان يدور حول 125 إلى 140 سفينة تراجع بصورة كبيرة، مع تعطل أو تأخر شحنات نفط وغاز وسلع استراتيجية.
ولم يكن التأثير مقتصرا على الطاقة. فقد انعكست الأزمة على تكاليف الشحن والتأمين، وارتفعت كلفة النقل البحري وسلاسل الإمداد، وتعرضت إمدادات الغذاء والطاقة والمواد الصناعية لضغوط مباشرة. كما أشارت رويترز إلى أن الحرب وضعت ضغوطا على إمدادات الطاقة والغذاء في الخليج العربي، هذه التطورات تعني أن السوق الخليجية المشتركة لم تعد مسألة تسهيل انتقال الأفراد والسلع فقط، بل أصبحت أداة من أدوات الأمن الاقتصادي. 

ثانيا: ماذا تعني السوق الخليجية المشتركة؟
أطلقت السوق الخليجية المشتركة رسميا في يناير 2008، استكمالا لمسار بدأ بمنطقة التجارة الحرة ثم الاتحاد الجمركي. وتعني السوق، في جوهرها، أن يتمتع مواطنو دول المجلس بالمعاملة الوطنية في أي دولة عضو، في مجالات التنقل، والإقامة، والعمل في القطاعين العام والخاص، والتأمينات الاجتماعية، والتقاعد، ومزاولة المهن، والاستثمار، وتملك العقار، وتداول الأسهم، وتأسيس الشركات، والتعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية.
لكن معناها الاقتصادي الأعمق هو تحويل دول المجلس من 6 أسواق وطنية إلى فضاء اقتصادي واحد. واليوم يبلغ حجم هذا الفضاء المحتمل نحو 62 مليون نسمة، وناتجا محليا يقارب 2.4 تريليون دولار، وتجارة خارجية تقارب 1.6 تريليون دولار، وصادرات سلعية تقارب 850 مليار دولار، وواردات تقارب 740 مليار دولار، وإيرادات سياحية تقدر بنحو 132.3 مليار دولار. كما تمتلك دول المجلس أصولا مصرفية بنحو 3.9 تريليون دولار وصناديق سيادية تقارب 5 تريليونات دولار، بما يعادل أكثر من 30 % من إجمالي أصول الصناديق السيادية في العالم.

ثالثا: ماذا تحقق منذ إطلاق السوق الخليجية المشتركة؟
تظهر تقارير المركز الإحصائي الخليجي أن السوق الخليجية المشتركة حققت تقدما ملموسا في عدد من المجالات.
* في مجال التجارة البينية، ارتفع حجم التبادل التجاري بين دول المجلس إلى نحو 146 مليار دولار في 2025 بنمو قدره 85.2 % مقارنة بالعام 2012. وهذا يعكس تحسنا كبيرا في حركة السلع داخل المنطقة، لكنه ما يزال دون مستوى الطموح. فهي تمثل فقط أقل من 10 % من حجم التجارة الخارجية الخليجية.
* في مجال الأسواق المالية، ارتفع عدد الشركات المساهمة العامة المسموح لمواطني دول المجلس بتداول أسهمها إلى 748 شركة في 2024، بزيادة بلغت 30.3 % مقارنة بالعام 2023. كما بلغ إجمالي رؤوس أموال هذه الشركات نحو 549 مليار دولار، وبلغ عدد المساهمين الخليجيين فيها نحو 246.6 ألف مساهم. هذه المؤشرات تعكس تطورا مهما في مبدأ عدم التمييز بين مواطني دول المجلس في الاستثمار وتداول الأسهم.
* في مجال البنوك، بلغ عدد البنوك التجارية الخليجية المرخصة للعمل في دول المجلس الأخرى 30 بنكا في 2025. وهذا مؤشر على تقدم التكامل المالي، لكنه ما يزال محدودا نسبيا قياسا بحجم الأصول المصرفية الخليجية البالغة نحو 3.9 تريليون دولار.
* في مجال ممارسة الأنشطة الاقتصادية، بلغ عدد التراخيص الممنوحة لمواطني دول المجلس لممارسة أنشطة اقتصادية في دول أعضاء أخرى نحو 96.3 ألف ترخيص في 2024. وهذا يعكس توسعا في الحركة الاستثمارية الفردية والمؤسسية داخل السوق الخليجية.
* في مجال تملك العقار، بلغ عدد حالات تملك مواطني دول المجلس للعقار في دول أعضاء أخرى نحو 17.9 ألف حالة في 2024، وهو مؤشر مهم على تفعيل مبدأ المواطنة الاقتصادية الخليجية، لكنه ما يزال محدودا إذا قورن بحجم السكان والثروة وحركة الاستثمار العقاري في المنطقة.

رابعا: ما الذي لم يتحقق بعد؟
رغم هذه الإنجازات، كما تكشف الأرقام نفسها، فإن السوق الخليجية المشتركة لم تصل بعد إلى مستوى السوق الموحدة الفاعلة. 
علاوة على الأرقام أعلاه التي تكشف تواضع الإنجازات في مجال السوق الخليجية المشتركة، فإن السوق الرقمية الخليجية الموحدة ما تزال غير مكتملة. فوجود مدفوعات خليجية أكثر تطورا لا يعني بالضرورة وجود منظومة رقمية موحدة تسمح بتأسيس الشركات، وتوثيق العقود، والاعتراف بالتوقيع الإلكتروني، وإصدار الفواتير، وتسوية المدفوعات، وإنهاء الإجراءات الجمركية عبر منصة واحدة.
كما أن تأخر استكمال مشروع سكة حديد الخليج العربي يمثل أحد أكبر الفجوات في السوق المشتركة. فلا يمكن بناء سوق موحدة عميقة من دون شبكة نقل تربط الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية والحدود البرية. ولذلك فإن السوق الخليجية المشتركة لا تحتاج فقط إلى قرارات اقتصادية، بل إلى بنية تحتية مادية ورقمية تجعل التكامل ممكنا يوميا.
كذلك المساواة في مزايا العمل في أسواق العمل، والتراخيص التجارية وحرية تملك العقارات، باستثناء البحرين التي كانت سباقة في توفير كل المزايا لرأسمال الخليجي.

 خامسا: لماذا أصبحت السوق الخليجية المشتركة أكثر أهمية للبحرين؟
تكتسب السوق الخليجية المشتركة أهمية خاصة للبحرين أكثر من غيرها، لأنها اقتصاد صغير ومنفتح، يعتمد في نموه طويل الأجل على قدرته على الاندماج في محيطه الخليجي. فالبحرين، بسوقها المحلية المحدودة، لا تستطيع بناء جميع فرص النمو داخل حدودها الجغرافية فقط. لذلك فإن السوق الخليجية المشتركة تمثل بالنسبة لها امتدادا طبيعيا للسوق المحلية، وليست مجرد مشروع تكامل إقليمي عام.
ومن زاوية المالية العامة، فإن توسع البحرين في السوق الخليجية يمكن أن يساعدها على تنويع مصادر النمو والإيرادات غير النفطية، كذلك، فإن تطبيق السوق الخليجية المشتركة يعني فتح أسواق العمل الخليجية أمام المواطنين البحرينيين ومعاملتهم بمثل معاملة مواطنيهم.
كما أن البحرين، بحكم موقعها واتصالها البري بالسعودية عبر جسر الملك فهد، تستطيع أن تكون بوابة خدمية ومالية ولوجستية للسوق السعودية والخليج العربي الأوسع. لكن هذه الميزة لن تتحقق بالكامل إذا بقيت الإجراءات الحدودية، والاشتراطات التنظيمية، واختلافات التراخيص، تحد من سرعة الحركة الاقتصادية.

سادسا: دروس من التجارب العالمية
تقدم التجربة الأوروبية درسا مهما. فالاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة، وسوقا تتجاوز 450 مليون نسمة، وناتجا محليا يفوق 18 تريليون يورو. الأهم أن التجارة البينية بين دول الاتحاد تمثل في بعض التقديرات نحو 60 % من إجمالي تجارة أعضائه. وهذا يعني أن السوق الموحدة الأوروبية لم تكن مجرد إعلان سياسي، بل تحولت إلى قاعدة إنتاج وتجارة واستثمار يومية.
أما آسيان فتضم 10 دول وسوقا تتجاوز 680 مليون نسمة، وناتجا محليا يقارب 3.8 تريليون دولار، وتجارة سلعية إجمالية تقارب 3.8 تريليون دولار في 2024. وتبلغ التجارة البينية داخل آسيان نحو 21 % من إجمالي تجارتها. ورغم أن آسيان أقل اندماجا من الاتحاد الأوروبي، فإنها نجحت في بناء سلاسل قيمة إقليمية جعلت دولها جزءا من منظومة إنتاج آسيوية مترابطة.

سابعا: توصيات
أولا، إطلاق خريطة طريق خليجية جديدة للسوق المشتركة 2026 - 2030، بمؤشرات أداء سنوية واضحة تقيس التجارة البينية، وتراخيص الأعمال، وتنقل رؤوس الأموال، وعدد الشركات العابرة للحدود، وزمن عبور السلع، وحجم الخدمات المتبادلة.
ثانيا، إنشاء منصة خليجية لرصد العوائق غير الجمركية، بحيث يستطيع المستثمر أو التاجر تسجيل أي عائق تنظيمي أو إجرائي يواجهه في دولة عضو، مع إلزام الجهات المختصة بالرد خلال مدة محددة.
ثالثا، اعتماد جواز أعمال خليجي للشركات الصغيرة والمتوسطة، يسمح للشركة المرخصة في دولة عضو بمزاولة نشاطها في باقي الدول وفق إجراءات مبسطة.
رابعا، تسريع تنفيذ سكة حديد الخليج العربي وربطها بالموانئ والمطارات والمناطق الصناعية، باعتبارها بنية أساسية للسوق المشتركة وليست مجرد مشروع نقل.
خامسا، بناء سوق رقمية خليجية موحدة تشمل الهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، والفواتير الإلكترونية، والمدفوعات الفورية، والسجل التجاري الخليج العربي.
سادسا، الانتقال من المنافسة الاقتصادية المتشابهة إلى التكامل القطاعي الذكي، بحيث يتم تنسيق السياسات الصناعية والاستثمارية بين الدول بدلا من تكرار المشاريع نفسها.
سابعا، تطوير آلية خليجية فعالة وسريعة لتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية، لأن السوق المشتركة لا تكتمل من دون ثقة قانونية.
خاتمة
السوق الخليجية المشتركة لم تعد مشروعا مؤجلا من الماضي، بل أصبحت شرطا من شروط المستقبل. فالأرقام تؤكد أن دول مجلس التعاون تملك كتلة اقتصادية هائلة. لكن هذه القوة لن تتحول إلى نفوذ اقتصادي كامل ما لم تتحول السوق المشتركة من إطار معلن إلى واقع تنفيذي متكامل.