تحليل لـ “الدراسات الاستراتيجية”: حوار أميركي صيني جديد وسط مخاوف من تمدد الذكاء الاصطناعي العسكري
من يتحكم بالزر النووي.. الإنسان أم الآلة؟
في وقت يتسارع فيه إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة العسكرية، تفتح الولايات المتحدة والصين قناة حوار جديدة بشأن حوكمة هذه التقنيات، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة القوتين على تثبيت أهم التزام مشترك بينهما في هذا المجال: إبقاء قرار استخدام السلاح النووي تحت السيطرة البشرية.
وبحسب تحليل للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن القناة الثنائية الجديدة تأتي بعد قمة الرئيسين الأميركي والصيني في بكين منتصف مايو الماضي، حيث اتفق الجانبان على تعزيز تبادل السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. كما جاءت بعد حوار شانغريلا في سنغافورة، الذي شهد دعوات صينية لسد الفراغ التنظيمي في استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا، ودعم وضع قواعد قد تتحول لاحقًا إلى أطر قانونية ملزمة.
ورغم أن الخطاب السياسي من الجانبين يوحي بالرغبة في ضبط هذا الملف، يرى التحليل أن التفاهم الأكثر حساسية بين واشنطن وبكين لا يتجه نحو مزيد من الوضوح، بل يبدو أنه يفقد دقته تدريجيًا. ففي نوفمبر 2024، أكد الطرفان لأول مرة أن البشر، لا الذكاء الاصطناعي، يجب أن يتحكموا في قرار استخدام الأسلحة النووية. لكن هذا الالتزام بقي عامًا وإعلانيًا، ولم يتحول إلى آلية محددة أو قابلة للتحقق أو ملزمة.
وتكمن خطورة هذا الغموض في أن الجيوش الكبرى باتت تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات ودعم القرار داخل منظومات القيادة والسيطرة. هذه التقنيات تمنح القادة سرعة أكبر في قراءة المشهد، لكنها في المقابل قد تقلص مساحة التروي البشري خلال الأزمات، خصوصًا حين تتداخل أنظمة القيادة التقليدية مع الأنظمة المرتبطة بالقدرات النووية.
ويحذر التحليل من أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في أن تتخذ آلة قرارًا نوويًا مباشرًا، بل في التأثير التراكمي لأنظمة دعم القرار على تقديرات القادة في لحظات التوتر. فالاعتماد على بيانات مؤتمتة أو مفتوحة قد يفتح الباب أمام إشارات مضللة أو تلاعب معلوماتي، بما يدفع إلى استجابات متسرعة في بيئة مشحونة.
وتزداد حساسية الملف في آسيا، حيث تتقاطع بؤر توتر كبرى من شبه الجزيرة الكورية إلى مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. ففي هذه المناطق تعمل القوات العسكرية ضمن مسافات قريبة، وقد تؤدي سرعة الأنظمة الذكية إلى تقليص الوقت المتاح للتدقيق البشري قبل تطور الأحداث.
ويرى التحليل أن العام المقبل سيكشف جدية الحوار الأميركي الصيني من خلال ثلاثة مؤشرات: إعادة التأكيد صراحة على السيطرة البشرية في القرارات النووية، الانتقال من البيانات العامة إلى آليات لبناء الثقة ومنع الحوادث، ومناقشة مشكلة التداخل بين أنظمة القيادة التقليدية والنووية.
ويخلص التقرير إلى أن حظر الذكاء الاصطناعي بالكامل داخل المنظومات العسكرية ليس خيارًا واقعيًا، لأن القوتين لن تتخليا عن ميزاته العملياتية. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في وضع خطوط حمراء واضحة تمنع سرعة الآلة من دفع الأزمات إلى مستويات أكثر خطورة.
