من قلب السوق القديم إلى أبراج السيف المعاصرة
عبدالرضا الديلمي لــ "البلاد": اقتصادنا بخير والمستقبل لنا وليس علينا
-
لن أنسى أشخاصا أضافوا لـ “الغرفــة” وتركوا بصمة لا تزول
-
أقول للمجلـس الجديـد: “الغرفة” أمانة وأنتم خير من يحملها
-
المؤسســات الصغيـــرة والمتوسطة مازالت تحتاج لـ “نظرة”
-
غـرف مجلــس التعــاون قادرة على تنشيط التجارة البينية بجدارة
-
السوق القديم يحتاج أن يتحول إلى متحف للتاريخ العريق
-
تعاقــب الأجيــال سنــة الحيــاة .. و“لــو دامــت لغيــرك مــا جــاءت إليـــك”
كان ذلك في مارس من العام 1983، حيث كنت متجهًا إلى سوق المنامة القديم لألتقي أحد كبار التجار المرشحين لعضوية مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين آنذاك، الرجل هو: عبدالرضا محمد الديلمي، أحد أهم تجار المرحلة، وأحد أكبر المؤثرين في السوق القديم من حيث معرفته بأسرار السوق، ومعرفة المؤثرين من التجار المخضرمين في السوق به.
نظرًا لتبادل التأثير وللوزن الذي كان يحمله، والقوة التصويتية التي كان يمتلكها في انتخابات الغرفة، نصحني بعض التجار بضرورة إجراء لقاء صحافي معه قبل البدء في التعرف على برامج المترشحين في ذلك الوقت، وبالفعل أخذتني سيارة الصحيفة اليومية الأولى في البحرين آنذاك إلى حدود السوق، وتركتني أترجل بمفردي نحو مكتب السيد الديلمي. في الطريق وأنا أمشي متلفتًا ومكتشفًا طبيعة المكان الذي وجدت نفسي فجأة متوغلاً في أزقته وفرجانه وحواريه، شعرت بأنني عدت سنوات إلى الوراء، بالتحديد عندما كنت طفلاً تجرني أمي رحمة الله عليها بحي سيدنا الحسين القاهري، وشوارعه وأزقته التراثية القديمة كـ “الغوريا” و “تحت الربع” و “الصاغة” و “الموسكي”، شعرت بأنني أتجول داخل شريان حياة متصل بين القاهرة والمنامة، وكأن الأصابع التي تركت بصماتها على الدكاكين والمحلات التجارية في مصر العربية هي نفسها التي قامت بنفس المهمة التاريخية في أرض الخلود وعاصمتها التجارية العريقة.
منذ 43 سنة
بين الذكرى وواقع الأمر، وجدت نفسي فجأة أمام مؤسسة محمد الديلمي وأولاده، تمامًا مثلما وجدت عبدالرضا بن محمد الديلمي في استقبالي بنفس الحفاوة التي اعتدت عليها من شعب البحرين الكريم، وبذات الابتسامة التي لم تفارق مخيلتي كلما التقيت برمز من رموز هذا الوطن العزيز، أو بتاجر أو مصرفي أو سياسي تيمنًا بأخلاق القيادة الحكيمة والأسرة الحاكمة النبيلة.
مر على هذا اللقاء نحو 43 سنة بالتمام والكمال، وفي الذاكرة تستيقظ الأحداث، وفي غابة التاريخ تتشظى المناسبات والمعارك والمتغيرات، ورغم ذلك لم يتغير الإنسان البحريني، فالابتسامة هي الابتسامة، والحفاوة هي الحفاوة، ولكن المكان لم يعد مثلما كان، والأزقة وقد تركها ناسها، ودكاكين السوق القديم وقد ارتادها التجار الوافدين من كل حدب وكل صوب. رغم ذلك، مازالت رائحة من تركوها تدل عليها، ووجوه من نشأت وتربت وترعرعت على أياديهم مثلما كنا قبل أكثر من 42 عامًا.
هناك كان اللقاء، واليوم يتكرر الوعد ولكن وسط غابة الأسمنت الشاهقة في منطقة السيف “العصرية”، استبدل الديلمي البسيط مكتبه بآخر بين الأبراج الهائلة والشوارع المكتظة بكل شيء، ومواقف السيارات التي لا تسمح لسيارة يتيمة لكي تستريح من المشوار الطويل الصعب. يقولون: إنها ضريبة المعاصرة أو الحداثة، بينما يرى آخرون أن للضرورة أحكام، وأننا لابد وأن نطور من أنفسنا، وأن نستعين بالتكنولوجيا والبحث عن سكن ذكي، ومدينة ذكية، وسيارة ذكية، وعالم ذكي.
كأنه الأمس!
لذلك، كان اللقاء قبل أيام مع الديلمي في مكتبه الجديد في أحد أبراج منطقة السيف، تمامًا وكأنني تركته بالأمس، وليس قبل أكثر من أربعة عقود، وتمامًا وكأنني أعيد ما كان بيننا من ود وتفاهم بشأن العديد من القضايا التجارية والمصرفية والاقتصادية.
الديلمي التاجر هو الديلمي الإنسان، هو عميد العائلة ورئيس مؤسسة محمد الديلمي وأولاده والعضو في العديد من الشركات البحرينية المساهمة، وأهمها دلمون للدواجن وشركة البحرين للمواشي والشركة العامة للتجارة وصناعة الأغذية “ترافكو”، وغيرها من الشركات التي مازالت تترك بصمتها الواضحة على الاقتصاد الوطني.
من نصف الكوب الممتلئ
كيف ترى اقتصادنا الوطني أستاذ عبدالرضا؟
- أراه من نصف الكوب الممتلئ، أراه واعدًا بجميع المقاييس والمعايير، وأراه متنوعًا بالشكل والكيفية التي تحفظ له ديمومته، وتؤكد سلامة معطياته، وتشير إلى أن المستقبل بعون الله سوف يكون أفضل.
الزمن وسلطة التاريخ
وما رأيك في تبادل المواقع والحوارات الجارية بين الأجيال الصاعدة وتلك التي تقاعدت بفعل الزمن، أو التي توشك أن تترك مكانها للدماء الجديدة والوجوه الشابة؟
- إنها سنة الحياة، لو دامت لغيرك ما ذهبت إليك، هذا هو إيماني بأن صيرورة الزمن هي التي تفرض قانونها الأزلي، لا أحدًا مخلدًا، ولا أحدًا أقوى من سلطة التاريخ، ومن إرادة الله عز وجل.
إن الأجيال الجديدة أراها أكثر حظًا منا، لأن فرصة الاطلاع على الحداثة كانت مهيأة لها أكثر منا، ولأن العالم اليوم غير العالم بالأمس، لقد تغير 360 درجة، ودوام الحال الذي أصبح من المحال.. صار منطقًا وحقيقة لابد من التعامل معها بقناعة تامة. العالم اليوم أصبح صغيرًا جدًا كالقرية الصغيرة مثلما يقولون، ولذلك بات لزامًا علينا أن نؤمن بحركة التاريخ، أن نقتنع بعجلة الزمن التي لا تعود أبدًا إلى الوراء، وإلى المعاصرة التي لو تجاهلنا معطياتها فإننا سوف ننعزل عن هذا العالم المتغير بسرعة جنونية والمتطور بصورة لم يسبق لها مثيل.
مع التقدم السريع
وهل تمكنّا من تحقيق هذا التطور في البحرين؟
- نحمد الله ونشكر فضله أن مملكتنا الحبيبة البحرين قد تمكنت خلال فترات وجيزة من تكوين بنية تحتية تكنولوجية ورقمية نستطيع من خلالها التعامل مع التقدم السريع الذي جاء إلينا من الغرب، وكان ينبغي علينا التعامل معه بالجهوزية المطلوبة. وما يثلج الصدر، رغم التحديات ورغم ما يحيط بنا من مسؤوليات، أننا تمكنّا من التكيف مع العمل عن بُعد، ومن التعليم والتعلم وإبرام الصفقات التجارية وإتمام عمليات البيع والشراء والتسوق أيضًا عن بُعد. إنها ثورة كونية في كل شيء، في المفاهيم، في النظريات، في التطبيقات العملية على الأرض، وهو واقع متغير أدركناه في البحرين مبكرًا لأنه لا مفر من التعاطي معه بروح المسؤولية، وبامتلاك زمام المبادرة، وبالوقوف صفًا واحدًا أمام التحديات من خلال العمل الجماعي وليس فقط العمل الفردي.
أيام لا تُنسى!
العمل الجماعي يقودنا يا أستاذ إلى غرفة التجارة والصناعة، التي كنت عضوًا بمجلس إدارتها من العام 1974 إلى العام 1998، أي ما يقرب 24 سنة متصلة، ما الذي رأيته خلال تلك الفترة، وكيف كان العمل التجاري وأداء الغرفة متواكبًا مع الشأن الاقتصادي ومع الكثير من المتغيرات التي عشت فيها خلال تلك الفترة؟
- هذا السؤال مهم، ويدفعني إلى العودة لسنوات طويلة إلى الوراء، إلى الرواد الذين تقلدوا مناصب رئاسة مجلس إدارة هذه الغرفة العريقة أمثال الراحلين محمد يوسف جلال، وقاسم بن أحمد فخرو، وعلي بن يوسف فخرو، إلى جانب العديد من الزملاء الذين شاركت معهم وشاركوني المسؤولية وأنا عضوًا بهيئة مكتب الغرفة ولجنته التنفيذية، ثم في عضوية لجنة الخبرة والتحكيم ومسؤوليتي أمينًا ماليًا لمجلس إدارة الغرفة لسنوات عدة آنذاك، كل ذلك يذكرني بالشخصيات الرائدة التي خدمت العمل التجاري في المملكة من خلال غرفة التجارة والصناعة، ومن بينهم عبدالنبي الشعلة، وحسن محمد زين العابدين، وعلي صالح الصالح، ومبارك جاسم كانو، وعبدالغفار المرباطي، وإبراهيم زينل، والشيخ علي أحمد العوضي، ويوسف بن أحمد الساعي، وجاسم محمد الصفار، وعلي حسين يتيم، وغيرهم الكثيرين الذين خدموا القطاع التجاري أمثال يوسف الصالح وخالد محمد كانو، وعصام بن عبدالله فخرو وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم، جميعًا تركوا بصمة على أداء غرفة التجارة، وساهموا في كتابة تاريخها بكل إخلاص وأمانة وتفاني.
كلمة للمجلس الجديد
واليوم ماذا تقول لغرفة التجارة في ظل قيادتها الجديدة؟ ماذا تتمنى لهم؟
- والله فيهم الخير، أتمنى لهم جميعًا كل الخير، وأرى أنهم امتداد أصيل لجميع الأجيال السابقة، وهمزة وصل ذهبية مع الأجيال التجارية اللاحقة، أراهم بكل فخر واعتزاز وأتمنى لهم تعاونًا أكبر مع بعضهم البعض، ومشاركة مهمة مع الحكومة الموقرة من خلال وزارة الصناعة والتجارة لتحقيق أكبر دعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ذلك أن غرفة البحرين بما تمتلك من اتصالات وارتباط وثيق مع مختلف مؤسسات الدولة، فإنها قادرة على التواصل مع الجهات التنفيذية من أجل دعم هذا القطاع، بما يمتلكه من إمكانات بشرية هائلة، وفرص مستقبلية واعدة، وواقع متنوع في نشاطه الاقتصادي والمالي والتجاري والمعرفي.
مثلث الحياة
التاريخ والحاضر والمستقبل، ماذا يمثلون لك؟
- التاريخ هو الذكريات الجميلة، هو الشخصيات الأجمل التي عاصرناها وتعلمنا منها، والتاريخ هو ذلك الرقم المرتبط في حياتي بعام 1988 – سنة وفاة الوالد رحمه الله – وأصبحت أنا رئيسًا للمؤسسة، ولكن التاريخ هنا كان يحدثني دائمًا بأن أتبع وصايا الأب، وأن أتذكر كلماته لي في التعاون مع الأشقاء، وألا أترك مهنتي كتاجر يدرك تمامًا أن تسعة أعشار الرزق في التجارة.
أما الواقع، فيذكرني دائمًا بالعصر الزاهر الذي نعيشه الآن تحت قيادة مليكنا المعظم حفظه الله ورعاه، وهذا الواقع يذكرني كذلك بالوسام الذي قلدني جلالته إياه بالعام 2002 نظرًا لخدماتي التي قدمتها في النشاط التجاري والاقتصادي بالبلاد، والواقع يرتبط في نظري بالمستقبل الذي يدفعني إلى القول بأن الأمم التي ليس لها تاريخ عريق وحاضر مزدهر لا يمكن أن يكون لها مستقبلاً واعدًا، من هنا فإنني أرى أن عضويتي في شركة انترشيلد العاملة في مجال الوساطة التأمينية، قد علمتني الصبر على المكاره، والتعامل بحذر مع الخطر، ومواجهة التحديات بقلب ملؤه الإيمان بالله والقيادة والوطن. المستقبل أراه دائمًا من الفرص التي تخلقها الأزمات، والأهداف التي تجدد دائمًا دمائها رغم صعوبة التحديات.
اتحاد التجار الخليجي!
اتحاد غرف مجلس التعاون، كتجمع خليجي مهم لِلَم شمل تجار المنطقة، كيف تراه اليوم؟
- أراه مثلما تفضلت تجمعًا تجاريًا أتمناه يليق بطموحات تجار المنطقة، أراه منصة لتشجيع التبادل التجاري مع الدول الشقيق في هذه المنطقة، وأراه محطة لانطلاق اقتصادياتنا إلى العالم بقوة الجماعة وليس الفرد، وبصلابة المؤسسة القادرة على التنافسية والابتكار.
إلى السوق القديم
السوق القديم، كيف تراه وقد كنت أحد أعضائه البارزين؟
- مازال يحتاج لاهتمام وتطوير، مازال هذا السوق مليئًا بالأسرار والإمكانات التي لم يتم الكشف عنها بعد، بل ولم يتم استغلالها كوجهة حضارية سياحية في المملكة. السوق القديم يمكنه أن يتحول إلى متحف في حد ذاته، يرتاده الزائرون، ويستمتع به أبناء البلاد والضيوف والمقيمون، يمكنه أن يتطور أكثر فأكثر، وأن تقوم الغرفة، بالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة والجهات ذات الاختصاص، بعمل برنامج زمني لتحويل هذا السوق إلى مَعلَم حضاري تاريخي بشرط أن تتوافر فيه جميع الخدمات، وأن يتم تطويره على أسس تراثية تحفظ له تاريخه العريق، وتضمن في الوقت ذاته استمراريته كسوق متخصص ومَعلَم حضاري متجدد لصناعة التاريخ وصون التراث وحماية الذكريات.
