العدد 6433
الثلاثاء 26 مايو 2026
سطوة المال
الثلاثاء 26 مايو 2026

 في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حُسِمَ “صراع الأقطاب” داخل الولايات المتحدة الأميركية. فقد انتصَرَت الفئة المدافعة عن مطلب “مراكَمَة الثروات”، ضد القوى التي كانت ترى أنه من الضروري الإبقاء على قدرٍ من المبادئ الأخلاقية، والتي تحدُّ من ذلك التوحُّش أمام المال. كان الأثرياء يرون أن تلك المبادئ ما هي إلاَّ “ثقلٌ زائد” يُعيق الوصول الحر للثروة. وأن الفرصة مفتوحة أمام الجميع، ومَنْ يفُوز بالجولة، يمكنه تَمَلُّك كل شيء.
كان المغلوبون ينتمون إلى فئتين. الأولى كانت تَتُوق لنظام اجتماعي، يقوم على الإصلاح المالي، وتوزيع الأراضي، والتعاون المشترك، ورفض ما كانت تُسمِّيه بـ “الرَّخاء التافه”. أما الفئة الثانية، فقد كانت تدفع نحو إيجاد طبقات اجتماعية واقتصادية متوازنة ومتعادلة على أقل تقدير. لكن في النهاية غُلِبَ هذان التياران، بسبب قوة حضور المال، في الدفع بأفكار الهيمنة، وتحييد الخصوم.
كان الغالبون يصفون أنفسهم بأنهم “مثابرون استثنائيون” انتصروا على الفقر، فأعطاهم ذلك ثروات هائلة يستحقونها. بل زادوا في “التطهُّر الزائف”، عندما وصفوا أنفسهم بأنهم “في كنف الله وتدبيره”، مُردِّدين الحكمة الكالفينية، وهو أن الله “يُعِين مَنْ يُعين نفسه”، ومن هنا جاء “توظيفهم للدِّين” من أجل تعبيد الطريق نحو مُراكمَة المال والثروات بلا سقف.
لقد “سَوَّقَ” جزء مهم من المنبر الديني ذلك التوجه، مُمَجِّدًا أصحاب الأموال، ومُصَالِحًا ضمائر الأثرياء مع السماء، فأصبحت “التقوى حليفة الثروة”. لذلك مُكِّنَ رجال دين من أن تكون لهم منابر للخطابة، في المراكز المالية والصناعية في الشمال والشرق الأميركي، كما يقول بيرنشتاين.
وعلى يمين هؤلاء ظَهَرَت طبقة من المثقفين، شايَعَت ذلك الحِلْف التجاري، وبدأت تطعن في المُشَكِّكين في سياساته الاقتصادية. وبعد قاطرة رجال الدين والمثقفين، دَخَلَ على الخط أساتذة الجامعات، والمحامون، بل وحتى الروائيون، وبات أولئك كلهم في خدمة الأثرياء. كانت مهمة الأكاديميين محاولة دحض وإدانة كل فكر يدعو إلى إعادة النظر في البُنى الاجتماعية الجديدة، التي جَبَّت ما قبلها من بُنَى كانت تحاول إنصاف العُمَّال. وكانت مهمة المحامين أنهم يُشَرْعِنون احتكار الأثرياء للأسواق. أما الروائيون، فكانت وظيفتهم هِجَاء العُمَّال، عبر تقديمهم على أنهم “انتهازيون، وفوضويون، ومَصَّاصو دماء”.
ذلك التاريخ الذي مَرَّ عليه الآن قرن ونصف القرن، مازالت مفاعليه نشطة. بل تجذَّر أكثر. وأصبح العشرة الأوائل من الـ 1 بالمئة من أصحاب الثروات في الولايات المتحدة الأميركية اليوم، يمتلكون السلطة الحاسمة في المجالات السياسية الرئيسة، والتحكم في طبيعة الدخل والحالة الاقتصادية.
وقد ذكر بارتلز، ومارتن جيلينز في أدلة كميَّة حديثة نشروها، أن تصويت أعضاء مجلس الشيوخ، وسياسات الحكومة الفيدرالية الفعلية تتوافقان بشكل كبير مع ما يريده الأميركيون الأثرياء. لذلك كل ما يجري اليوم في ذلك العالَم إنما يجري وفقًا لسطوة المال، ونقطة في نهاية السطر.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية