إن بقاء نظام إيران وإضعافه فقط لا يخدم إلا السياسات الاستراتيجية بعيدة المدى لإسرائيل والدول الغربية؛ فهذا النظام اجترح سردية قديمة وضعها أسلافه فأضرت بالمنطقة العربية وبالإسلام من داخله، ولا هدف لها غير ذلك. وعمليا، لدينا اليوم إسلامان: إسلام جاء من السماء ونزل في الجزيرة العربية، ولدينا سردية أرضية سياسية تلبست بالإسلام وهي مبنية في جذورها وأسسها على سب الإسلام وشخوصه منذ الصدر الأول، والتهكم على القرآن وتحريف مفاهيمه والتجني على الطرف الآخر وتسفيهه، كما أن هذه السردية المصنعة في بلاد فارس تنشئ أتباعها ذهنيا وعقائديا على قدح الآخر، وبالتالي لا يمكن التعايش معها. وأنتم اليوم بإبقائكم هذا النظام كمن يدفن الجمر تحت الرماد فيبقى مستعرا حتى حين، وذلك تحسبا لأي اهتزاز عالمي قد يتسبب في تراجع أمتكم؛ فتتحقق بذلك نظرية حرب العشرين عاما العقائدية التي لا تنطفئ في هذه الأمة، والتي ابتُليت بها أوروبا سابقا.
إن حقيقة ما يجري اليوم من سيناريو في المنطقة فيه الكثير من المعطيات والمفاهيم الملتبسة، ومن ذلك الملتبسة حقيقته هو علم ترامب وإدارته جيدا أن درة التاج في توسع النفوذ الإيراني تتمثل في تسليم الإدارات الأميركية السابقة العراق للإيرانيين على طبق من ذهب، وأن عدم سعي الإدارة الأميركية الحالية إلى تخليص العراق من أتباع إيران ونفوذها، وإرجاعه إلى أبنائه الوطنيين الذين يلتزمون بالعهود والمواثيق الدولية، يعطي مؤشرا بارز الدلالة على أن الإدارة الأميركية لا تريد سلاما كاملا وحاسما لأمد بعيد في المنطقة، وإنما تحييد دور إيران لفترة زمنية تجترحها كعشرين عاما مثلا، وكما اقترحت.
فعندما يُنتزع العراق من قبضة إيران ستفقد أحد أهم أسلحتها وستضعف، خصوصا إذا ما استمرت أميركا بفرض حصارها البحري عليها. لقد خطف الإيرانيون مضيقا دوليا لأربعين يوما ويزيد، وقد تقاعس الجميع عن فتحه لولا الرئيس ترامب بهمته وإقدامه - مشكورا - الذي هو فارق عن كل القيادات الدولية؛ فتقدم بخطف موانئ إيران والتحكم بجل اقتصادها، كما أنه وعد العالم بفتح المضيق في أسرع وقت.
لقد راهنت إيران على إحداث تضخم اقتصادي عالمي، وها هو اليوم يراهنها على اقتصادها، فمن يصرخ أولا في لعبة عض الأصابع هذه؟ إن ما يجري بين إسرائيل وإيران ما هو إلا صراع الضرتين، وبالنسبة لنا شخصيا نحن لم نرَ يوما إيران إلا أنها هي إسرائيل التلمودية، وأن إسرائيل المحتلة هي إسرائيل الرأسمالية، وأن خطورة إسرائيل التلمودية أخطر بكثير من إسرائيل الرأسمالية؛ فمن أسس المشروع الإسرائيلي القائم اليوم في فلسطين هو فكر التلمود الشرقي السحيق، وإن منطقه ووصايا صانعيه جاءت من صهاينة إيران الأوائل.
إن الرئيس ترامب واضح بأنه غير أسلوبه ونهجه عما كان عليه في بدايات الحملة العسكرية، وهو اليوم يقبل باستسلام إيران وحفظ ماء وجهها من خلال اتفاق زمني مؤقت، فهل هو يراهن على ثورة من الداخل الإيراني تطيح بالنظام؟ ونحن شخصيا في هذا المعطى تحديدا نرى أن قضية استشفاف سقوط النظام من عدمه في المرحلة القادمة، تستلزم الإطلال على حجم قوى النظام من الحرس الثوري و “البسيج”، وما هو نوع تسليحهم مقارنة بالجيش ووزارة الداخلية، بعدها يمكن التنبؤ بإمكانية سقوطه من الداخل، وذلك طبعا مع إبقاء الحظر البحري الذي فُرض على النظام.
إن ما بات واضحا لا يقبل الشك في أن من يحكم إيران هو الحرس الثوري وخزانه البشري الأكبر قوات “البسيج”، وأن هذين الجناحين أسسا على الفكرة والطريقة الانكشارية وما يستلزمها من معايير اختيار المنتسبين والقيام على تربيتهم وتنشئتهم منذ الصغر، ولا يخفى على أي مطلع معيار الانكشارية في اختيار منتسبيها؛ إذ يُنشأ الفرد منذ الصغر على فكرة أن لا ولاء إلا للمؤسسة الحاضنة وللامتيازات التي اكتسبها، وبالتالي فإنه ينفذ الأمر حتى في قتل شعبه. ولذلك لابد للإدارة الأميركية أن تتعرف على طبيعة التركيبة العددية لـ “البسيج” والحرس الثوري، وإنا لنعتقد أنها تعلم بتلك التفاصيل، عندها يمكن المراهنة على سقوط النظام من الداخل، ومن دون إضعاف هذين المرتكزين لن يسقط النظام من الداخل.
إن النظام الإيراني وأيديولوجيته التي تتبنى فكرة أن يتخلى النظام عن كل شيء في الشدة، وأن قدس الأقداس هو بقاء النظام كضرورة أولية في مبناه الفكري والعقدي، فإذا كان ترامب يسعى لتراجع إيران وقبولها بمطالبه وشروطه عدا تخلي النظام عن دفة الحكم، فإننا نبشره بأن قيادة إيران ستتراجع وتقبل بشروطه، إنما هي تماطل لاكتساب الوقت، وإن هذا الوقت المهدور استراتيجي وخطير خصوصا مع نظام أيديولوجي يمتلك من المخزون النووي ما يؤهله لصنع القنبلة النووية في غضون أيام، ولو تحقق له ذلك عندها ستُقلب المعادلة رأسا على عقب وسيتغير كل منحى المآلات.
وعلى كل ذلك الذي تقدم من معطيات، نحن في المنطقة نجدد تساؤلنا للإدارة الأميركية وللرئيس ترامب حول ملفات عدة، على رأسها وضع العراق وإخراج النفوذ الإيراني منه، خصوصا أن دولتكم هي من سلمته لإيران، والملف النووي ومآلته الملحة، أي أن الضرورة تفترض ألا يتم الجلوس إلى أية طاولة مفاوضات وإيقاف العمل العسكري قبل أن تسلم إيران مخزونها المخصب من اليورانيوم بنسبة عالية إلى هيئة دولية وبإشراف ورقابة دولية، بعدها تأتي ضرورة ابتعاد النظام عن الحكم وتغيير ماهية طبيعته وشخوصه. إن إصرار النظام الإيراني بعدم الإفصاح عن اليورانيوم عالي التخصيب واختلاق الذرائع في ذلك لهو أكبر دليل على أن هذا النظام يبيت شيئا وأنه لا يؤمن جانبه.
كلنا يريد السلام، لكننا منذ عقود طويلة آلمنا هذا الجوار الجغرافي على الضفة الأخرى، ولو كان الوضع الدولي والعربي أفضل صحة وحالا مما هو عليه لدفعنا بكل السبل نحو تمكين أقليات إيران من الأعراق في أقاليمهم، لكن الوضع الدولي اليوم شائك، وما أحزننا فيه كثيرا هو مواقف تلك الدولة الصديقة التي نكن لها الاحترام والتقدير منذ عهود، وهي بريطانيا الصديقة، التي خذلتنا في مسعاها ومواقفها تجاه إيران منذ بدايات الحملة.
* كاتب بحريني