العدد 6464
الجمعة 26 يونيو 2026
إيران بين الهزيمة وإعادة التبييض الأميركي
الجمعة 26 يونيو 2026

إن من يتفحص حركة الصراع الإنساني تاريخيا، وحقيقة تصادم الأمم منذ الأزل وصولا للحربين العالميتين الأخيرتين، وكذلك حروب الشرق العربي كالحرب على مصر واحتلال العراق، سيصل إلى محصلة ثابتة مقتضاها أن هناك مفاهيم إنسانية ثابتة على مر التاريخ الصراعي للأمم. وتلك المحصلة تقضي بأن الحروب لا تشن إلا لغايات، وأن تحقق الغايات يستلزم ثبات مفهوم ذهني واحد لا ثاني له، وهو تجلي حقيقة الانتصار بطرف منتصر وآخر مهزوم في خاتمة الحرب، بمعنى أن تحقق الغايات في الحروب يكون ركنه الأول تحقق معادلة طرف منتصر وطرف آخر خاسر ومذعن.

وكفطرة إنسانية تتجلى نشوة نصر المنتصر في تلك اللحظة الفاصلة إما بقطع رأس غريمه واجتثاث دولته، أو بقبول استسلامه وإذعانه المعلن. وفي الحالة الأخيرة يفرض المنتصر صيغة إذلال الغريم أمام العالم والمجتمع الإنساني وبلا تستر ولا مواراة، وذلك من خلال إقرار وإعلان المهزوم لهزيمته وإذعانه بشكل جلي وغير ملتبس الصورة والإعلام.

لكننا، ومن خلال رصد تاريخ صراع الغربيين الشكلي مع إيران وصولا إلى حالة التصادمات والحروب المنسقة بين الولايات المتحدة وإيران، نجد حالة فارقة وشاذة عن سياقات المفهوم الفطري الإنساني لحالة الحرب والسلم، إذ إننا نجد هنا حالة من التستر والتخادم المفضوح لحفظ مكانة المهزوم وهي إيران، وهذا التستر يشي بأن هناك من يتبناه في دوائر صنع القرار السري في الولايات المتحدة ودول أوروبا، حتى أن النخبة الفكرية والسياسية صارت عاجزة عن فهم جوهر وحقيقة ما يدور وتوصيفه بين الغريمين المفترضين. بمعنى أن هذه الحرب الأخيرة التي وقعت بين الأميركيين والفرس الإيرانيين أحدثت صيغا ومفاهيم أخرى مضللة لسياق الفطرة والفهم الإنساني، إذ لم يعد يفرز فيها المنتصر من المهزوم بالصيغ الفطرية المفهومة وبالمنطق الإنساني السوي والمجرد من خداع النفس.

وبالرغم من أن الميزان العسكري لفائض القوة العسكرية يميل لصالح أميركا ولا يمكن للفرس مجاراته، بل على العكس؛ فمنذ الأيام الاثني عشر الأولى للحرب ثم ما تلاها صارت سماء إيران مفتوحة على مصراعيها أمام التفوق العسكري الجوي الأميركي ومن دون أية مقاومة أو تصد يذكر، وقد أدى ذلك إلى سحق إيران على كافة المستويات العسكرية وصولا إلى اجتثاث القيادات العليا حتى الصف الثالث. تلك القيادات التي لطالما تغنت وزيفت الواقع الحقيقي للرأي العام الدولي والأتباع عبر الأربعين سنة الماضية، وذلك من خلال الترويج لحتمية نصرها على الأميركان إذا ما وقعت حالة الاصطدام الكبرى، فإنها وعلى حد زعمها سوف تخسف ببوارج الأميركان في مياه الخليج، مما عشم الجحوش من أتباع الفرس للتطير والتصديق بأن إيران خصم حقيقي للإمبريالية الأميركية وخططها.

وفي تقديري أن تصفية القيادات الإيرانية حتى الصف الثالث قد أنهت الحرب فعليا منذ الأيام الأولى وحققت نصرا للولايات المتحدة، ولو أنها استمرت في القصف ولم تجترح نظام الهدن المتعاقبة لكان ذلك كفيلا بانتهاء إيران وتغيير نظامها السياسي وتقسيمها. وواضح هنا أن دوائر القرار السري للحكومة العالمية قد فرضت على الرئيس ترامب وحكومته الدخول في هدن محسوبة لإعطاء إيران فرصة لالتقاط الأنفاس والاتكاء على المشروع الإعلامي، وذلك للتغطية على هزيمتها وإعادة تبييضها كخصم حقيقي. وهنا بدا واضحا مجددا استعادة صيغ التخادم بين الطرفين لإخفاء الحقيقة، وإن كان ذلك يأتي على حساب هيبة الطرف الأقوى في هذا الصراع وهي الولايات المتحدة؛ فمقتضيات النصر في الحروب تفرض بأن لا توقف إلا بكسر الخصم وسلب مجمل إرادته أمام الرأي العام العالمي، فالمنتصر في ساحة الميدان هو من يملك زمام المبادرة في الحرب بكل خياراتها التفاوضية والإعلامية وفرض خلاصة نتائجها.

وكما تقدم، واضح أن كفة الميزان العسكري هنا تميل لصالح الولايات المتحدة، فلماذا قبلت بالعبث والتشويش الإعلامي للفرس على حقيقة انتصار الأقوى؟ أي لماذا أعطت أميركا فرصة لإيران لتنشر إعلاما تعبويا بعيدا كل البعد عن حقيقة هزيمتها وانكسارها في الميدان؟ حتى بات كل المحللين السياسيين في حيرة من أمرهم لتشخيص واقع الحال في ذلك الصراع، ونحن شخصيا أشرنا لصناعة بعض ذلك التيه المتعمد من قبل الطرفين للتعمية على مسار الأمور.

إن الرئيس ترامب شخصيا كان واضحا في البداية أن لديه توجها حقيقيا لحسم ملف طهران بالقوة، لكن هناك من غير مسار حملته العسكرية وفترها، فهو الذي خبر الشخصية الإيرانية وشخص سلوكها حتى انه قال عن الإيرانيين في يوم الجمعة 12 يونيو (إنهم أناس عديمو الشرف، لا وجود لمفهوم حسن النية معهم). ونحن شخصيا رصدنا ذلك التشخيص منذ سنوات ونؤكد عليه، وذلك نتيجة لتقصينا لطبائعهم ودراسة سيكولوجيا السلوك الجمعي؛ إن شخصية الفارسي وسلوكه مبنيان على الكذب العميق والباطنية الفجة وعقدة الخوف من المستقبل، ولذلك فهو دائم التربص بمن حوله تماما كالشخصية الصهيونية، فهو لا يصافي الآخر بنية حسنة.

إننا نستطيع أن نجزم وضمن تسلسل سياق الأحداث أن إطلاق الصواريخ الإيرانية الأخيرة على إسرائيل، والتي سبقها إعلانهم أنهم سيضربون إسرائيل إذا لم تتوقف عن ضرب تابعهم في لبنان، إن ذلك قد جاء بعد تخادم وترتيب مسبق، وذلك لدواعي حفظ ماء الوجه أمام الأتباع، وكذلك لخندقة الداخل اللبناني على نفسه بحيث يصدق حزبهم التابع هناك بأنهم لن يتخلوا عنه فيقف كعقبة في وجه حكومة لبنان.

إن إيران هزمت منذ البداية وهي التي هرولت لإيقاف الحرب، وهي الحقيقة التي لا يراد لها أن تتجلى للعالم لا من قبل الأميركيين ولا من قبل الوسطاء في عملية نقل الرسائل، وهو ما دعا لفتح الاحتمالات التحليلية على مصراعيها لمعرفة من المتنازل ومن المنتصر في المفاوضات. وبالرجوع إلى سياقات تسلسل الأحداث للمشروع الأميركي الإسرائيلي الغربي المستجد في المنطقة، والذي بدأ بإسقاط العراق وتثبيته لإيران في عام 2003، فقد نظرنا في كثير من المقالات السابقة لما يخطط للمنطقة العربية تحديدا والشرق الأوسط برمته.

وهنا سوف أتناول بالتحليل فيما تبقى لي من سطور هذا المقال ما قد تشهده المنطقة في المرحلة القادمة، وذلك بعد طي ملف إيران؛ إن كل المؤشرات تشي بأن دائرة الصراع في الشرق الأوسط في المرحلة القادمة سوف توجهها الأجندة الإسرائيلية نحو تركيا، وذلك من خلال التمدد في الفضاء الجيوسياسي وربما الجغرافي للبنان وسوريا، فهل تتداعى الأمور إلى صراع عسكري آخر في المنطقة؟ أم أن الأتراك سيتراجعون ويركعون للعاصفة حتى تمر؟ ورغم ما هو مشخص من طبيعة الشخصية التركية المتسمة تاريخيا بالعند والصبر في الحروب وعلى عكس الشخصية الإيرانية، مازالت الأمور لم تتضح بعد؛ فإسرائيل تريد رسم الخريطة الجيوسياسية للبنان وسوريا والمنطقة منفردة ودونما مراعاة لمصالح دول الجوار الأخرى وعلى رأسها تركيا، وذلك سوف يكون صعبا.

أما نحن في منطقة الخليج العربي، فإن المؤشرات تشي بأن الأميركان والإيرانيين سيدخلون بياتا شتويا لا يعلم ما سيتمخض عنه بعد خروج ترامب من البيت الأبيض إلا الله، وعليه صار لزاما على عواصمنا الخليجية التحول من صيغة التعاون إلى صياغة الاتحاد الخليجي وعلى كل الصعد العسكرية والاقتصادية والسياسة الخارجية، وقد نادى بذلك الملك عبدالله بن عبدالعزيز (رحمه الله) في 2011، فما كان بالأمس له متسع من الوقت بات اليوم ضرورة ملحة، إذ لابد من أن تعيد عواصم الخليج ترتيب أولوياتها في كل المجالات؛ لأن خارطة الفضاء الدولي ورؤيته لمعايرة النفوذ والأثقال في المنطقة الخليجية سوف يعاد تشكيلها، وإن إيران قد أعيد تبييضها أميركيا لينظر لها عالميا بشكل آخر بعد هذه الحرب وإشكالات المضيق.

إن الرئيس ترامب كان الشخصية الرئاسية الأميركية الأكثر تصميما في التعاطي مع ملف إيران بالقوة لكنه في تقديري تعرض للتحجيم. إن المقذوفات والصواريخ الفارسية التي طالت عواصمنا الخليجية بكل عهر وانعدام للشرف الإيراني وتحت ذريعة تواجد القواعد الأميركية في أراضينا، بينما الأصول العسكرية الأميركية من حاملات طائرات وناقلات جند تحاصر موانئها وعلى مرمى حجر منها إلا أنها لم تتجرأ وتمسها بأي مقذوف يذكر، وهذه أكبر دلالة على تناقض الفرس وظهور حقدهم للمسلمين العرب، وما حادثة إسقاط المروحية إلا داخلة في سياق التورية والتخادم لحفظ ماء الوجه.

وعليه، فإن استحقاق دول الخليج للتعويض، والذي ثبتته بلدي البحرين أمميا وبكل فخر، يتطلب رفع دعوى خليجية دولية لطلب التعويضات من طهران، كما وأننا نتمنى على عواصمنا الخليجية بشكل جمعي أن تقلص من سقف التمثيل الدبلوماسي مع إيران إلى أقل مستوياته.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية