الانتفاخ الإيراني تضخم بشكل كبير إلى درجة الانفجار كبالون نرجسية عندما يوخز بإبرة الواقع.
مع أوداج منتفخة تعكس حجم الغضب المفتعل في عملية إسقاطية تمثل دور الضحية المسكينة البريئة من دم يوسف المنطقة، والتي باعوا خلالها أمن المنطقة لصالح الغطرسة الشوفينية والقومية المتضخمة هراء تاريخ، وعضلات شمشونية، وحلم ساذج من اعتلاء على عرش المنطقة بإمبراطورية فارسية قادت إلى ضياع كل الكعكة المطعمة بالزعفران.
في ظل ذلك،
راح السفير الإيراني، وهو يلقي بسبابه على البحرين، وبشكل ممسرح لا يخلو من بكاء بلاستيكي على ما وقع على إيران، يعكس نواحة سببها السياسة الفوضوية، ويعكس حالة الإنكار السيكولوجي لما آلت إليه الأمور، وحالة الاكتئاب الحاد، والجزع لما أصاب “البعبع” وهو الذي ظل لعشرات السنين يزبد ويشتم ويسب في الخليج، أقول:
خرج علينا السفير ليعوض حجم الإحباط العام وخيبات الآمال لسياسة أثبتت فشلها، بإعادة استنساخ “رستم پسر زال” بطل “الشاهنامه” (كتاب الملوك) للشاعر الفردوسي.
حاول السفير المتضخم تمثيل دور “الرستمية” لا على أميركا، ولكن على البحرين بشكل صارخ ومنفعل، ناسيا أن رفع الصوت والصراخ ليس بالضرورة يعني الحقيقة.
لقد تناسى السفير ولعشرات السنين أن حرسه الثوري لم يترك شاردة ولا واردة إلا صرخ بملء الفم “إن البحرين المحافظة الـ 14” لإيران، دون مراعاة أي نوع من احترام سيادة دولة، ولا احترام شعب، ولا قوانين دولية ولا أمم متحدة، من تصريحات شريعتمداري إلى غيره من المتوحمين على الخليج والعالم فوضى أو اقتطاع لحم أو سرقة جغرافيا.
اليوم نزل علينا سفير إيران الدبلوماسي الرومانسي الكهنوتي اليوتوبي الحالم بباراشوت ولاية الفقيه ليعطينا دروسا في احترام دولته الموقرة التي لم توفر دولة في العالم إلا تسللت لها كتسلل النمل من الثقوب والشقوق؛ لخلق طاعون ميليشيات أو تسريب غاز ثاني أكسيد الإرهاب لخلق أزمة أو صناعة موت جغرافيا في تابوت كما حدث للعراق ولبنان واليمن وسوريا، نزل علينا ليعلمنا دروس حسن الجوار وأهمية احترام الجار وعدم التدخل بشؤونه.
لقد نسي السفير صاحب الذاكرة المثقوبة ما فعلته إيران طيلة عشرات السنين في الخليج بدءا من البحرين للكويت للسعودية إلى الإمارات إلى البقية من تراكم خلايا تُنسج كأزرة في قميص الخليج العربي، وتناسى حجم أكياس الشتائم والسباب منذ الخطابات الأولى لانتصار إيران، التي لم توفر لا حاكما ولا وزيرا ولا دولة في الخليج إلا نالت منها من تخوين وشيطنة وتكفير، وكأنهم وحرسهم الثوري جاؤوا مُنزلين ملائكة من السماء، وولدوا في قارورة عطر ماء ورد القداسة والزهد.
ونحن والعالم ومنذ نجاح الثورة لم نعش بسعادة تامة دون تنغيص بمراهقة هنا أو مغامرات هناك، هذا وقد سقطوا في فخ فكر ثوري ساذج كسم قاتل، وهو تصدير الثورة. ونتيجة الغرور ظنوا أنفسهم يمتلكون مبادئ الثورة الفرنسية الحضارية التي غيرت العالم، في حين هم لم يأتوا إلا بأفكار بالية قروسطية يخرج منها غبار التاريخ من دستور رجعي غيبي دوماغوجي يعكس تخلف دولة ثيوقراطية يتسرب منها صديد كهوف التاريخ.
يا سعادة السفير، قليلاً من التواضع،
فأين أنتم من الثورة الفرنسية، وأين أنتم من مبادئ مارتن لوثر كينغ، وأنتم توزعون سندويشات الثورية ببهارات القومية المتعصبة والانتفاخ الغيبي، والتفسير الأبله للعالم، وكل همكم صناعة المقابر يلفها العساكر شواهد قبور ومفاتيح موت لباقات كبيرة من زهور شباب قطعتموها لأجل إرضاء أمراضكم النرجسية من سيكوباتية وانفصامية ووسواس قهري ثوري ديني لا يعدو أن يكون زبداً يتلاشى أمام أي حرب.
يقول المسيح (ع): “من ثمارهم تعرفونهم”،
فما هي ثماركم يا سعادة السفير النحرير، غير تراكم خراب وتكدس دمار يقاس بالأمتار وزعتموه في كل منطقة دخلتموها؟
هوّن على نفسك، فلا توزع على البحرين دروسا في السيادة والقوة والعزة والأمانة.
يا لها من ذاكرة قوية تمتلكها يا سعادة السفير،
فعلاً ينطبق عليك قول المثل العربي: “رمتني بدائها وانسلت”.
الآن استيقظت نخوتك التي تقلب الحقائق في تماهٍ إسقاطي عجز عن تفسيره حتى فرويد وكارل يونغ لتقول وتدعي: من أربعين سنة والبحرين تتآمر عليكم؟
البحرين؟
يا لله والأقدار، أنتم لم تتركوا قرية في العالم لم تتآمروا عليها من الخليج إلى الدول العربية كلبنان والعراق إلى دول أوروبا إلى أميركا إلى أميركا اللاتينية والآن جئتم توزعون لغة التآمر علينا. أرجو يا سعادة السفير، قراءة تقارير كل هذه الدول عن تدخلاتكم، فهي موثقة.
والسؤال: من يتآمر على من؟
وإذا كانت البحرين تتآمر عليكم، فلماذا ولا يوم اكتشفتم جاسوسا، أو ميليشيات من صناعة البحرين والخليج؟ ولماذا لم تصطادوا خلية واحدة مدعومة من الخليج أو البحرين رغم حدوث العكس عشرات المرات؟
البحرين ليس لها وقت لذلك، فهي مشغولة بازدهارها وبناء نهضتها، والمتآمر هو من يغسل أدمغة الشباب العربي هنا وهناك لاصطيادهم وزجهم في معسكرات التدريب ضد بلدانهم.
والسؤال: من فجر موكب الأمير الراحل في الكويت؟ ومن قام بالتدخل في الخليج بزراعة الخلايا كخلية “العبدلي”؟ ومن سعى لتدريب واختطاف الشباب الخليجي لصناعة خلايا؟
من الذي كرس قنواته لسنين والدعوة إلى التحريض على البحرين، ولم توفروا شخصية ولا قناة من قناة المنار إلى قناة العالم إلى قناة الميادين عدا عن بعض القنوات العراقية واليمنية وما أكثرها وهي تنفجر شتما وسبابا وتحريضا على البحرين خصوصا فترة الأحداث المؤسفة للعام 2011؟
مع كل ذلك كنا ملتزمين بالحكمة، ويأتي اليوم أنت لتعلمنا معنى حسن الجوار؟
ويا لله والشيزوفرينيا، الآن أصبحنا نحن المتآمرين على إيران منذ أربعين عاما؟
أيها السفير، أريدك أن ترجع فقط لكل الخطب الإيرانية والكتب وكل أدبياتهم لتلحظ حجم التحريض الذي يأتي فيها على أي نظام عربي أو غير عربي بالغمز واللمز تحريضا مدروسا على عدم قبول أي نظام غير “ولاية الفقيه”.
ثانيا من المتآمر نحن أم أنتم وأنتم أخذتم على عاتقكم “الخلطة السحرية” لإنقاذ العالم بـ “تصدير الثورة”؟ وهل يعني تصدير الثورة غير التدخل بشؤون الدول ومحاولة زعزعة أمنها والعبث باستقرارها وباستغلال أي شباب لأجل خلق الفوضى والإرهاب والتخريب؟
رحت تلقي التهديدات كبارجة بشرية حتى إن كل من في المؤتمر أشفق على طريقتك وأسلوبك وأنت تلبس لباس الحمل الوديع وأنت توزع الاتهامات للبحرين بثوب الإنسان المظلوم، وكل من في القاعة يعلم حجم هذا التذاكي المبتذل مع علم الجميع أنه لا توجد دولة في القاعة سلمت من تحريضكم أو شرار تدخلاتكم في شؤونها.
تتحدث عن التآمر، وأنت لم توفر صاروخا ولا مسيرة إلا رشقت بها البحرين والخليج أكثر من إسرائيل. ثم لماذا كل هذا الحقد والغيرة على جنة الخليج، فمن منعكم لو اتخذتم سياسة حكيمة ببناء اقتصادكم بدلا من تبذير مليارات الدولارات على عبثية الميليشيات وزرع القنابل للدول؟
لقد منحكم الله نعما كبرى لكنكم بددتموها على هراء شعاراتي ونرجسية ثورية فاضحة وهذيان تاريخي لا يمثل حتى أهل البيت (ع).
لبستم قميص فاتيكان الشيعة فضيعتم القميص ولم يثبت الفاتيكان، وضاع من صدقكم من المسحورين بشعاراتكم وبـ “رستمياتكم” التي ما قتلت ذبابة. وأنتم تكررون ذات الفشل لتجارب كثيرة لثورية تقوم على الخطابة. وكأني بالشعب الإيراني يردد شعر قباني مع الاعتذار لنزار:
“إذا خسرنا الحرب لا غرابة لأننا ندخلها.. بكل ما يملك الإيراني من مواهب الخطابة بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة لأننا ندخلها.. بمنطق الطبلة والربابة
أنعى لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمة والكتب القديمة، أنعى لكم.. كلامنا المثقوب، كالأحذية القديمة.. ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة أنعى لكم.. أنعى لكم نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة”.
ونتيجة غروركم تعتقدون أنكم أوصياء على العالم، فمن أنتم حتى تتدخلوا في علاقاتنا مع أي دولة عظمى؟ ولماذا يحق لكم أن تتحالفوا مع روسيا والصين وحتى الشيطان ونحن يجب أن لا نتحالف؟
ثم إذا كنتم تستهدفون الأميركان، أين شطارتكم والأميركان يستبيحون مجالكم الجوي وقريبون منكم؟ وهم يخترقونكم إلى حد العظم؟
سعادة السفير المحترم، هوّن عليك، فلا ترمِ البحرين بالصغر، فلو كان النجاح يقاس بكبر الجغرافيا، فأنتم من أكبر الدول جغرافيا وأفشلها سياسة وإدارة، وأنتم أيضا لا تقاسون بحجم نجاح البحرين رغم صغرها سياسة وفن إدارة وقوة اقتصاد وعقل دبلوماسية ووحدة وطنية وقيادة رشيدة.
يا أيها السفير، سنغافورة أصغر منكم بعشرات المرات، واليابان أصغر منكم، وكوريا الجنوبية، وتكاد تكون موناكو قرية صغيرة في إيران، ورغم ذلك انظر لكل هذه الدول نجاحا في سعادة شعوبها، ووفرة المال ونجاح الاقتصاد، بل هي أعظم منكم خلقا وخَلقا رغم أنكم تدعون أنكم رسل تمشي على الأرض وأنبياء الله الجدد وحفظة عهده.
أيها السفير النحرير، التاريخ وحده يعرف من الذي يخلد ومن الذي يتلاشى اسمه. ويكفي فقط النظر إلى التظاهرات المليونية في إيران لتعرف صورة التاريخ القادمة. فالمجد لا يكون إلا لأسماء أحبت واحترمت شعوبها، وحافظت على استقرارهم وأرواحهم، وبنت مستقبلهم. والحكومات الكبيرة هي التي لا تدخل شعوبها في مراهقات ثورية وفي مغامرات لا تنتج إلا توابيت ومقابر وسجونا كما هي دول الخليج كدبي والرياض وأبوظبي والمنامة والدوحة ومسقط.
وهنا البحرين، رغم صغر حجمها يا عليم الجغرافيا، توازي كل أرضك وبلادك، حكمة حُكم وفن إدارة دولة ورقي حياة وتماسك بنية تحتية أرضا ومجتمعا وحياة.
دعنا يا سعادة السفير، نقارن رقميا بين حجم احترام العالم لإيران أو البحرين من حيث السلام والدبلوماسية وراحة الشعب وقوة حكمة القيادة وبينكم. تعال لنضع قوة عملتنا الدينار مقابل التومان، وأيهما أقوى الجواز البحريني أم الإيراني؟ وأيهما أقوى على مستوى الدخل الفردي من إجمالي الناتج المحلي: المواطن الإيراني أم البحريني؟ ومن هو أكثر وفرة مالية أو عيشا مستقرا: البحريني أم الإيراني؟
سعادة السفير، لا تغضب أكثر فيشتط عرق لك وأنت تتحدث عن سحق التراب، فيا لله والرستمية المنفلتة عنجهية وغرورا، شططا وانشطارا. فأين “رستميتك” على أميركا، ولماذا صواريخك لا تصل إلا إلى الخليج والآمنين منه؟ أين هي صواريخك من عشرات القواعد في آسيا والعالم؟
يا سعادة السفير المحترم، لتعلم أننا في البحرين والخليج بكل طوائفنا ومذاهبنا على استعداد لفداء البحرين والخليج فداءً عظيما لقياداتنا وأراضينا. وإننا لم نتوان في الحرب ولا بعدها دفاعا عن بلادنا.
سيأتي زمن وتتصرم سنون وستعلم مَن سيبني اسمه في التاريخ ومن الذي سيذهب إلى ظلام التاريخ محملاً بأحمال أثقال ممتلئة بلعنات شعوب ودول عانت الأمرين من انفجاراتكم وتدخلاتكم وميليشياتكم وبراميلكم المتفجرة وقتلكم لمعارضي سياساتكم من الشيعة قبل السنة.
ذاك الوقت ستعلمون كيف سيرتفع اسم ضحاياكم من المرجع شريعتمداري والمرجع سيد فضل الله والمرجع الشيرازي والحيدري وكل المراجع الذين أردتم إخفاء أسمائهم. وستعلمون من الذي سيبنى اسمه في التاريخ من عواصم حاولتم اغتيالها كببروت ودمشق وصنعاء وبغداد أم أسماءكم؟
ستعود هذه العواصم وسترحلون، وحتى طهران لن تذكركم ولا شعبها، لأن طهران وشيراز وأصفهان مدن حضارية لولا سياساتكم، حضارة أنتجت الفردوسي والشيرازي والخيام، وليست مدن التعاسة والفوضى والتخريب والسلاح.
الإمام علي وأهل البيت خلدوا لأنهم صنعوا السلام والمحبة بين الشعوب لا الخراب ولا الفوضى ولا ضياع الضمير. بحمد بن عيسى ستبقى البحرين الأقوى والأجمل، مدينة زاهرة متقدمة حضارية وخالدة.
سعادة السفير، تريدون فتح العالم وأنتم عاجزون عن فتح كتاب؟ وهل قرأ حرسك الثوري كتابا أو اطلع على واقعية سياسية أو فهم معنى الحضارة؟ للأسف: “إنهم يريدون أن يفتحوا العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب، ويريدون أن يخوضوا البحر وهم يتزحلقون بقطرة ماء، ويبشرون بثورة ثقافية تحرق الأخضر واليابس، وثقافتهم لا تتجاوز حدود القواميس التي استعاروها”.
تحياتي.
* مستشار هيئة البحرين للثقافة والآثار