العدد 6388
السبت 11 أبريل 2026
مُلتقطــات د. جاسم المحاري
د. جاسم المحاري
ريمونتادا التلاحم!
السبت 11 أبريل 2026

في ظل الظروف الراهنة، تحضرني المقولة الشهيرة (الوطن ليس ما نحيا فيه، بل ما نحيا من أجله)، كما أستذكر قصة ذلك الشاب البسيط “سالم” في قريته الصغيرة، والذي يمتهن إصلاح السفن دون أنْ يمتلك مالًا كثيرًا، فيما كان يحتضن قلبًا مليئًا بحب الأرض التي نشأ عليها ويشمّ فيها رائحة الخبز في الصباح، وصوت المؤذن عند الغروب. في أحد الأعوام، تحطّمت المراكب وغرقت البيوت وانغمرت الشوارع بعد أنْ ضربت عاصفة ساحل القرية، فوقف “سالم” بين أهل قريته الذين كانوا يحملون الهمّ والخوف، وقال بصوت واثق: سنبني كلّ شيء من جديد إذا ما تشابكت أيدينا، وإلا سنغرق جميعًا إذا ما تفرقنا! بعدها بدأ الجميع من الرجال والنساء والكبار والصغار العمل منذ ساعات الفجر الأولى، فتجد الأيدي المُتعبة تتبادل الأدوات وهي تحمل مقابض الدلاء، بينما كانت العيون المرهقة تتبادل الابتسامات وهي ترسم خطوط الأحجار.

هذه هي طبيعة الحال التي تظهر فيها “قوة المجتمعات” في وحدة اجتماعية تمثل خط دفاعها الأول الذي يبعث رسائل واضحة تُعزّز من اصطفافها الوطني وتصون من استقرارها الأهلي الذي يبرز في دعائم بنائها القوي وأفقها المتماسك في صور متنوعة من التعاون والتكاتف والترابط والتكامل بين أفرادها على منهاج تحقيق المعجزات وتوالي الانتصارات من خلال كيان أسري يزرع في نفوس أفراده حبّ الأوطان والانتماء إليها، وجنبًا إلى جنب فاعلية مؤسساته التعليمية التي تغرس القيم الوطنية في نفوسهم التواقة وتشبثهم بهويتهم الوطنية الحقّة، وتحفزهم على بناء الأوطان القوية وتعزيز التآلف وتمتين الأواصر التي تتفاقم فيها الوطنية ويُخلص بها العمل وتُطوّر لها الذات.

في إدراك يعكس حجم التحديات ويُوحد الصّف ويُرسّخ الثوابت ويُعزّز المسؤولية التي تنأني عن إضعاف الإجماع الوطني ولزوم تآزرها الملحمي الرصين.

 

نافلة:

برهنت مظاهر التلاحم الوطني واستدامة الروح المعطاءة واستماتة التضامن الاجتماعي في كل أرجاء مملكتنا العزيزة البحرين، في “ريمونتادا” ملحمية - وهي كلمة إسبانية تعني العودة بقوة – ولاسيما في أوقات الشدائد وعصيب الأزمنة ومحن الأزمات وقساوة الظروف. وهي في واقع الحال، ليست بغريبة على أبناء هذا الشعب الكريم الذي درج منذ الأزل على غريزة حبّه للعمل التطوعي بمختلف المجالات الاجتماعية والصحية وغيرها، فضلًا عن تفانيه في أداء واجبه وإخلاصه في خدمة وطنه وصون حياضه في أبهى صور التلاحم المشرفة التي عكست وضوح الرؤية وثبات الموقف في مواجهة التحديات المتوالية والتحولات المتسارعة من جانب، وصون المكتسبات الوطنية المتعاظمة من جانب آخر؛ ما جعل مملكتنا الحبيبة أنموذجًا للدولة “الصلبة” في الاستقرار المؤسسي والمسؤولية المشتركة التي ترتكز على وحدة الصف الداخلي ووضوح الولاء الوطني بين أبنائها.

 

*كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية