“الخليج واحة سلام، وفي الشدائد يثبت أبناؤه أن الأوطان تُحمى بالوعي والوحدة”. البحرين ودول الخليج اختارت طريق السلام والتنمية، لكن الأزمات تذكّر بأن حب الوطن موقف ومسؤولية لا شعار. ليست الأوطان مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا هي أعلام تُرفع في المناسبات، بل هي تاريخٌ وذاكرةٌ ومصيرٌ مشترك. ولهذا فإن حب الوطن لا يُختبر في أوقات الهدوء والرخاء، بل في لحظات القلق حين تقترب الأخطار من سمائه وحدوده. عندها فقط يظهر الفرق بين من يردد حب الوطن في الكلمات، ومن يترجمه موقفا ومسؤولية.
وفي الأيام الأخيرة شهدت منطقتنا أحداثًا مؤلمة امتدت آثارها إلى مملكة البحرين وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، حين استهدفت هجمات إيرانية صاروخية عدائية آثمة وطائرات مسيّرة منشآت مدنية واقتصادية. وفي البحرين أسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء من المواطنين والمقيمين، كما طالت الأضرار بعض المنشآت الحيوية مثل محطة تحلية المياه ومرافق التكرير وخزانات الوقود، إضافة إلى تضرر مبانٍ سكنية.
ولا تمسّ هذه الاعتداءات دولة بعينها بقدر ما تمسّ أمن الخليج العربي كله؛ تلك المنطقة التي عُرفت عبر تاريخها الحديث بأنها منطقة استقرار وتنمية، سعت دائمًا إلى تجنيب شعوبها ويلات الصراعات والحروب. فقد كانت دول الخليج، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون، صوتًا للحكمة والاعتدال، وسعت باستمرار إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وترسيخ التعاون بين الشعوب.
ومع قسوة هذه الأحداث، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن قوة المجتمعات وتماسكها، فالأوطان القوية ليست تلك التي لا تمر بالأزمات، بل تلك التي يلتف أبناؤها حولها حين تمر بها.
وفي مثل هذه اللحظات يتجلى المعنى الحقيقي لحب الوطن؛ حبٌّ يتجاوز العاطفة ليصبح وعيًا ومسؤوليةً وسلوكًا.
فحب الوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل منظومة قيم تظهر في الالتزام بالقانون، وفي الحفاظ على الممتلكات العامة، وفي تعزيز روح التضامن بين أبناء المجتمع، وفي الوقوف صفًا واحدًا خلف مصلحة الوطن العليا. كما يظهر في رفض كل ما يزرع الفرقة أو يهدد وحدة المجتمع واستقراره.
وقد عبّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى حين قال وهو يغادر مكة مهاجرًا: “والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت”. فحب الوطن شعور فطري راسخ، يعززه الإيمان ويترجمه الإنسان وفاءً للأرض التي نشأ عليها.
إن دول الخليج العربية، وفي مقدمتها مملكة البحرين، لم تكن يومًا دعاة حرب، بل اختارت طريق السلام والتنمية والتعاون. ولهذا فإن حماية أمن هذه المنطقة ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين القادة والشعوب، تقوم على الوعي والتكاتف وتعزيز روح الانتماء.
فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هوية وذاكرة ومصير مشترك. والأزمات الكبرى تكشف معادن الرجال، وتُظهر من يقف مع وطنه ومن يكتفي بالمشاهدة أو المزايدة.
وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا تتضح حقيقة الأوطان: فهي لا تقوم بالحجارة وحدها، بل بقلوب أبنائها. فإذا اجتمع الوعي مع الانتماء، والتكاتف مع المسؤولية، أصبحت الأوطان أقوى من كل التحديات.
وفي خضم هذه التحديات يبقى الأمل كبيرًا في وعي شعوب الخليج وتماسكها، وفي قدرتها على تجاوز الأزمات بروح التضامن والوحدة. فالأوطان تبقى قوية بأبنائها وبما يتحلون به من إخلاص وصدق في الانتماء.
ونسأل الله أن يحفظ مملكة البحرين وسائر دول مجلس التعاون ودول الخليج العربية، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ قادتها وشعوبها من كل سوء، وأن تبقى هذه المنطقة واحة سلام وتنمية وازدهار.
فالأوطان تبقى ما بقي أبناؤها أوفياء لها.. متكاتفين في الشدائد قبل الرخاء.
عضو جمعية الصحفيين البحرينية