تُعد المؤسسة الإعلامية إحدى الركائز الأساسية في تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي، غير أن العديد من المؤسسات تعاني اليوم من هشاشة بنيوية لا تتعلق فقط بالأدوات أو التقنيات، بل تمتد إلى طريقة إدارتها للموارد البشرية، خصوصاً فيما يتعلق بتقدير الكفاءات والاحتفاظ بها.
تتجلى هذه الهشاشة في غياب سياسات واضحة لبناء بيئة مهنية جاذبة ومستقرة، حيث تُعامل الكفاءات في بعض الأحيان كعنصر قابل للاستبدال السريع، دون إدراك أن القيمة الحقيقية للمؤسسة الإعلامية تكمن في تراكم الخبرات لا في كثرة التبديل. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا النهج إلى فقدان الخبرات المتخصصة، وتراجع جودة المحتوى، وضعف الاستمرارية المهنية.
كما أن عدم تقدير الكفاءات لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يشمل أيضاً غياب الاعتراف المهني، وضعف فرص التطوير، وغياب المسارات الواضحة للترقي والتقدم. وعندما لا يشعر العامل في المجال الإعلامي بأن جهده محل تقدير حقيقي، يصبح الانسحاب أو البحث عن بيئة بديلة خياراً طبيعياً، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار المؤسسة.
ومن جهة أخرى، فإن الاحتفاظ بالكفاءات لا يتحقق عبر القرارات الإدارية الآنية، بل عبر بناء ثقافة مؤسسية تقوم على احترام الخبرة، وتشجيع الإبداع، وتوفير بيئة عمل قائمة على الشفافية والعدالة المهنية. فالمؤسسات الإعلامية التي تنجح في استبقاء كوادرها هي تلك التي تدرك أن الإنسان الإعلامي ليس مجرد موظف، بل هو عنصر إنتاج معرفي وثقافي لا يمكن تعويضه بسهولة.
إن استمرار هذه الهشاشة يهدد القدرة التنافسية للمؤسسات الإعلامية، خاصة في ظل التحولات الرقمية السريعة وتزايد المنافسة على المحتوى والجودة. لذلك، فإن معالجة هذا الخلل لم تعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية تفرض إعادة النظر في آليات الإدارة، وسياسات التوظيف، وثقافة التقدير المهني داخل المؤسسة الإعلامية.
وفي المحصلة، فإن قوة أي مؤسسة إعلامية لا تُقاس بحجم انتشارها فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على عقولها وكفاءاتها، وتحويل الخبرة الفردية إلى ذاكرة مؤسسية مستدامة.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |