خلال عملي في مجالات التكنولوجيا والتعليم والسياسات الدولية، شهدت تحولات كبرى عدة غيرت طريقة عمل الاقتصادات. لقد رأيت الانتشار المبكر لأجهزة الكمبيوتر في منطقتنا وصعود الإنترنت، وكنت من بين الأوائل عالميًا في تحويل شركتي المتخصصة في الملكية الفكرية “AGIP”، إلى شركة قائمة على التكنولوجيا. كل تغيير تبع نمطًا محددًا، حيث ساعدت التكاليف المنخفضة والنمو السريع للمستخدمين بعض الشركات على الهيمنة.
ومع ذلك، لا يُعد الذكاء الاصطناعي مجرد اتجاه رقمي آخر، بل إنه يتحول إلى نظام صناعي جديد يتطلب قوة مالية ووعيًا سياسيًا وتخطيطًا طويل الأمد.
يتطلب الذكاء الاصطناعي رأس مال أكبر بكثير مقارنة بالتقنيات الرقمية السابقة؛ فالمراحل الرقمية السابقة كانت تعتمد على البنية التحتية القائمة؛ ما قلل من التكاليف. أما الذكاء الاصطناعي فيعتمد على شرائح متخصصة، وخوارزميات أفضل، وتدريب باستخدام مجموعات بيانات أكبر، ومراكز بيانات ضخمة، وترقيات مستمرة. ومن المتوقع أن يصل نتيجة لذلك الاستثمار العالمي إلى تريليونات عدة من الدولارات بحلول 2030. خلال عملي مع وكالات الأمم المتحدة، لاحظت مدى صعوبة بناء العديد من الدول حتى للبنية التحتية الرقمية الأساسية. ومن المتوقع أن يزيد الذكاء الاصطناعي الفجوة بين الدول القادرة على الاستثمار وتلك التي لا تستطيع، حيث تحتكر الشركات الكبرى المعرفة والخبرة والموارد المالية اللازمة للفوز في هذا المجال.
ومع ذلك، فإن الادعاء بأن هذه التكاليف ستنخفض مع مرور الوقت وسيصبح الوصول إلى عالم الذكاء الاصطناعي متاحًا للجميع يتطلب مزيدًا من التفكير؛ فعادةً ما تصبح الأجهزة أكثر كفاءة مع الزمن، وقد تقلل الشرائح الجديدة وأنظمة التبريد المحسّنة من تكاليف التشغيل، لكن المشكلة مع الذكاء الاصطناعي تكمن في أن الطلب لنماذج أكبر وأكثر قدرة ينمو أسرع من تحسينات الكفاءة، وبالتالي قد تبقى التكاليف الإجمالية مرتفعة حتى لو انخفضت تكلفة المكونات الفردية.
لقد استفادت المنصات الرقمية السابقة من التكاليف الحدية المنخفضة جدًا، بينما لا يتمتع نظام الذكاء الاصطناعي بذلك؛ فكل تفاعل يتطلب موارد حسابية كبيرة. هذا تحول كبير يذكرني بالصناعات القائمة على المعرفة، حيث يجب تجديد الخبرة بشكل مستمر؛ فالذكاء الاصطناعي يتصرف بشكل أقرب إلى تلك الصناعات من كونه شبيهًا بوسائل التواصل الاجتماعي أو التجارة الإلكترونية.
وهذا يضع ضغوطًا على الشركات للسيطرة على تكاليف كل استعلام والاستثمار في نماذج أكثر كفاءة. ومع ذلك، من غير الدقيق القول إن الحجم لا قيمة له، فهو لا يزال مهمًا من حيث بيانات التدريب والتوزيع وبناء الثقة. ما يختلف هنا هو أن الحجم وحده لا يضمن النجاح؛ لأن مستخدمي الذكاء الاصطناعي يمكنهم التنقل بين النماذج بسهولة. ومن تجربتي، لاحظت أن انخفاض تكاليف التحويل يشجع المنافسة، وهو أمر إيجابي للابتكار، على الرغم من أنه يخلق حالة من عدم اليقين بالنسبة للمستثمرين.
تنتشر أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة حول العالم عبر الإنترنت؛ فقد نمت التقنيات السابقة ببطء داخل أسواق محددة قبل أن تتوسع، في حين أن الذكاء الاصطناعي يدخل العديد من المجالات في وقت واحد؛ ما يخلق فرصًا ومخاطر على حد سواء. يبدو أن العديد من المؤسسات ستعتمد الذكاء الاصطناعي قبل أن تفهم تمامًا تأثيره الفعلي. ويجب على صانعي السياسات الاستعداد لهذا الانتشار السريع، خصوصًا أن وتيرة التبني ستتجاوز سرعة وضع القوانين والتنظيمات. كما يجب على الحكومات أن تقلق بشأن التحديات المتعلقة بالتوظيف والأخلاقيات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، وكيفية توفير إطار يضمن الأمان مع السماح بالنمو. الحكومات بحاجة إلى التحرك بسرعة لفهم تأثير ذلك، والشركات التكنولوجية التي تفهم هذه المخاوف ستكون في موقع أفضل للعمل عالميًا.
عندما أنظر إلى اتجاه الذكاء الاصطناعي، أستعيد لحظات سابقة في مسيرتي عندما كانت التقنيات الجديدة تتطلب الصبر والانضباط والاستثمار طويل الأمد؛ فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى النهج نفسه، ولا يمكن إدارته عبر نوبات قصيرة من الإنفاق أو التوسع السريع، بل يحتاج إلى تخطيط مالي ثابت يدرك مدى سرعة تغير متطلباته.
يجب على الحكومات إعداد أطر تحمي المجتمع بينما تسمح بالنمو المسؤول للابتكار. وقد تعلمت خلال سنوات خدمتي في “الأمم المتحدة” أن التنظيم يعمل بشكل أفضل عندما يدعم التنمية بدلًا من تقييدها، وينطبق هذا المبدأ بقوة على الذكاء الاصطناعي. بالنسبة للدول النامية، يجب أن تكون الأولوية لبناء بنية تحتية رقمية قوية وتعليم رقمي متين. لقد كرست جزءًا كبيرًا من حياتي للدفاع عن هذا؛ لأنه من دون ذلك، تتخلف الدول أكثر مع كل تحول تكنولوجي، ولا محالة ستُترك بعض الدول خارج هذا السباق.
يجب على المستخدمين والمؤسسات تجنب الاعتماد على مزود واحد للذكاء الاصطناعي. في عملي، لطالما شجعت على التنويع، سواء في التكنولوجيا أو التعليم أو الاستثمار؛ فالاعتماد على نظام واحد يخلق مخاطر غير ضرورية، أما استخدام أدوات متعددة فيبني المرونة ويمنح المؤسسات القدرة على التكيف مع تطور المجال.
هذه الدروس تأتي من عقود من الملاحظة لكيفية إعادة تشكيل التكنولوجيا للاقتصادات، وكيف تنجح الدول أو تتخلف بناءً على خياراتها. وسيكافئ الذكاء الاصطناعي أولئك الذين يخططون بعناية، ويستثمرون بحكمة، ويظلوا منفتحين على التعلم الرقمي المستمر.
* رئيس ومؤسس مجموعة طلال أبوغزالة العالمية