العدد 6317
الجمعة 30 يناير 2026
مملكة البحرين تحتضن “ألوان الشرق 2026”
الجمعة 30 يناير 2026

في مشهدٍ ثقافيٍ يعكس تلاقي الجذور بالمعاصرة، والهوية بالحوار الإنساني، سجّلت جمعية الحرف اليدوية الكويتية حضورًا لافتًا في معرض ألوان الشرق الدولي للفنون 2026، والذي اختتم فعالياته في مملكة البحرين، مؤكدة أن التراث الكويتي ليس مادة للعرض فحسب، بل لغة حضارية قادرة على مخاطبة العالم بثقة وعمق.

جاءت المشاركة الكويتية محمّلة بدلالاتها الثقافية والتاريخية، عبر مجموعة مختارة من الحرف اليدوية التي جسّدت ملامح البيئة الكويتية البحرية والبرية، وقدّمت للزائرين من مختلف دول العالم سردًا بصريًا غنيًا عن حياة الإنسان الكويتي، وأسلوب عيشه، وعلاقته بالمكان والبحر والصحراء. ولم تكن المعروضات مجرد أعمال تقليدية، بل شواهد حية على مهارات متوارثة، صاغتها الأيادي الكويتية بخامات طبيعية وأساليب أصيلة، عكست روح المكان، وعمق الذاكرة الشعبية، ورسّخت صورة الكويت بوصفها بلدًا يحفظ تراثه، ويقدّمه للعالم بثقة ووعي ثقافي.

وأثبتت جمعية الحرف اليدوية الكويتية، من خلال هذه المشاركة، دورها الريادي في صون التراث الحرفي الوطني، وتحويله إلى أداة تعريف حضاري وثقافي تسهم في تعزيز الهوية الوطنية، وتربط الأجيال الجديدة بجذورها، وتعرّف الآخر بتاريخ الكويت الاجتماعي والإنساني بعيدًا عن الصورة النمطية. وقد شكّلت المشاركة الكويتية نافذة حضارية مشرّفة، قدّمت من خلالها الكويت تاريخها وتراثها لروّاد المعرض من دبلوماسيين، وفنانين، ومثقفين، وزوّار من أكثر من ثلاثين دولة، لتؤكد أن الثقافة الكويتية حاضرة في المشهد الدولي، وقادرة على التفاعل والتأثير.

ويُعد معرض ألوان الشرق الدولي للفنون 2026 من أبرز الفعاليات الفنية متعددة الجنسيات في المنطقة، إذ جمع فنانين من مدارس وأساليب متنوعة، مقدّمًا بانوراما ثقافية ثرية تعكس تنوع التجارب الإنسانية، وتُبرز الفن بوصفه لغة مشتركة تتجاوز الحدود.

وقد حظي المعرض بافتتاح رسمي مميز، بحضور كريم من سعادة السيد فيصل بن حارب بن حمد البوسعيدي، سفير سلطنة عُمان لدى مملكة البحرين، وبمشاركة واسعة من السفراء والدبلوماسيين ونخبة من الفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي، في تأكيد واضح للمكانة التي بات يحتلها المعرض في الخريطة الثقافية الإقليمية والدولية.

ولا يمكن الحديث عن نجاح هذا الحدث دون الإشادة بالدور البارز الذي تضطلع به مملكة البحرين، حكومةً وشعبًا، في احتضان الفعاليات الثقافية والفنية الكبرى، وترسيخ موقعها كمركز للحوار الحضاري والتلاقي الإنساني.

فالبحرين، بتاريخها العريق الممتد من دلمون إلى الحاضر، قدّمت نموذجًا متقدمًا في دعم الثقافة والفنون، ووفّرت بيئة راقية تحتضن الإبداع، وتفتح آفاق التعاون الثقافي بين الشعوب، وهو ما تجلّى بوضوح في هذا المعرض الذي جمع المحلي بالعالمي، والتقليدي بالحديث، في لوحة متناغمة.

ويُحسب للقائمين على معرض ألوان الشرق، وفي مقدمتهم غاليري ألوان الشرق والفنان مهدي الجلاوي، هذا الجهد التنظيمي الرفيع، والرؤية الثقافية الواعية التي أسهمت في تحويل المعرض إلى منصة دولية حقيقية، لا تكتفي بالعرض، بل تؤسس لحوار فني وثقافي ممتد.

كما مثّل تدشين سلسلة “معارض مرافئ” بعدًا رمزيًا عميقًا، ينطلق من البحرين بوصفها أول ميناء عرفته البشرية، في إشارة ذكية إلى دور الموانئ في التبادل الثقافي، وإلى الفن كمرسى تتلاقى عنده الحضارات.

إن مشاركة جمعية الحرف اليدوية الكويتية في معرض ألوان الشرق الدولي للفنون 2026 لم تكن حضورًا عابرًا، بل فعلًا ثقافيًا محسوبًا، حمل معه تاريخ الكويت وتراثها وهويتها إلى فضاء دولي رحب، وأسهم في ترسيخ صورة الكويت كدولة تعتز بماضيها، وتقدّم تراثها للعالم بثقة واقتدار.

وهو ما يؤكد أن الثقافة، حين تُدار برؤية، تتحول إلى قوة ناعمة فاعلة، تحفظ الذاكرة، وتبني الجسور، وتصنع للحضور الوطني مكانته المستحقة بين الأمم.

*باحث في التراث الكويتي والخليجي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .