في المحرّق، لا تُقام المهرجانات بوصفها فعاليات موسمية، بل تُكتب بوصفها نصوصًا حضارية حيّة، تُخاطب الإنسان أينما كان. فمع انطلاق مهرجان “ليالي المحرّق” على امتداد مسار “طريق اللؤلؤ” المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بدت المدينة العتيقة وكأنها تستعيد دورها التاريخي منصةً للتلاقي الثقافي، وجسرًا بين الذاكرة والراهن، ومسرحًا مفتوحًا للجمال المتعدد.
وقد جاء تنظيم هذه النسخة من المهرجان ليؤكد المكانة المتقدمة التي تحتلها مملكة البحرين في إدارة المشروعات الثقافية الكبرى، حيث تميّزت الفعاليات بحسن التخطيط، ودقة التنفيذ، وثراء المحتوى، في مشهد يعكس خبرة تراكمية عميقة، ورؤية ثقافية تعتبر التراث موردًا حيًّا، لا مادة للعرض فقط. فالمحرّق لم تُزيَّن للزائر، بل كُشفت له، بكل ما فيها من تاريخ، ونبض، وصدق المكان.
وتتجلّى أهمية المهرجان هذا العام في تزامنه مع احتفالات مملكة البحرين بأعيادها الوطنية، وعيد الجلوس السادس والعشرين لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، ما أضفى على الفعاليات بُعدًا وطنيًا عميقًا، جمع بين الفرح الرسمي والاعتزاز الشعبي، وأكّد أن الثقافة في البحرين جزء أصيل من مشروع الدولة وهويتها الجامعة.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة عبدالرحمن بداح المطيري، وزير الإعلام والثقافة ووزير الدولة لشؤون الشباب بدولة الكويت، إلى مهرجان “ليالي المحرّق” دلالة خاصة، إذ جاءت الزيارة في توقيت رمزي يعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، وتلاقي الرؤى الثقافية الخليجية، ويؤكد أن التعاون الثقافي بات أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الناعمة في المنطقة.
وقد مثّلت الزيارة رسالة تقدير واضحة للجهد البحريني في صون التراث وتقديمه بأسلوب معاصر، كما شكّلت فرصة للاطلاع المباشر على التجربة البحرينية في توظيف الموروث الثقافي ضمن مسارات سياحية وإنسانية مفتوحة، تُخاطب الزائر بلغات متعددة دون أن تُفرّط في أصالة المكان.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تضطلع به هيئة البحرين للثقافة والآثار، برئاسة الشيخ خليفة بن أحمد بن عبدالله آل خليفة، في ترسيخ مكانة المحرّق بوصفها مدينة ثقافية عالمية، قادرة على الجمع بين الاحتراف المؤسسي، والحسّ الإنساني، والبعد الجمالي، وهو ما بدا جليًا في تفاصيل المهرجان، من تنوّع الفعاليات، إلى حسن إدارة الحشود، إلى تحويل المدينة نفسها إلى تجربة ثقافية متكاملة.
وفي إطار المشاركة الخليجية، سجّل الجناح الكويتي حضورًا يعكس عمق الروابط الثقافية بين البلدين، حيث جاءت مشاركة جمعية بيت السدو ضمن سياق عام من التفاعل الخليجي، مؤكدة أن التراث المشترك حين يُعرض بروح التعاون، يتحول إلى لغة جامعة تتجاوز الحدود، وتُعلي من قيمة الهوية الخليجية الواحدة، دون ادعاء أو مبالغة.
لقد أثبت مهرجان “ليالي المحرّق” أن البحرين لا تقدّم ثقافتها بوصفها ماضيًا محفوظًا، بل بوصفها حاضرًا نابضًا، وقيمة مضافة للمشهد الثقافي الإقليمي والدولي. وهو مهرجان لا يكتفي بالاحتفاء بالتراث، بل يعيد صياغته في قالب إنساني مفتوح، يجعل من المدينة ذاكرةً تمشي، ومن الزائر شريكًا في التجربة.
وهكذا، تمضي المحرّق في أداء دورها التاريخي، مدينةً تعرف كيف تُنصت لماضيها، وتُحاور حاضرها، وتفتح أبوابها للعالم بثقةٍ ووعيٍ وجمال.
*باحث في التراث الكويتي والخليجي