العدد 6308
الأربعاء 21 يناير 2026
أجمل الفرح، ذاك الذي يُشبه صاحبه!
الأربعاء 21 يناير 2026

استطاع منشور للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، حول التقدّم في العمر والندم، أن يثير مساحة واسعة من التفاعل؛ لأنه لامس إحساسًا صامتًا يرافق الإنسان مع تباطؤ إيقاع حياته، حين تبدأ الأسئلة الجوهرية بالظهور على نحوٍ مباغت.

وقد استحضرت مستغانمي في طرحها أفكار كتاب «أهم خمسة أشياء يندم عليها المرء عند الموت» للكاتبة الأسترالية بروني وير، وهو كتاب لا ينشغل بالنهايات بقدر ما يسعى إلى إيقاظ الوعي بما كان ينبغي الالتفات إليه منذ وقت مبكر.

ومن خلال سنوات قضتها بروني وير إلى جانب أشخاص في أيامهم الأخيرة، تخلص إلى أن أكثر ما يندم عليه البشر لا يرتبط غالبًا بما عجزوا عن إنجازه، بل بما أغفلوا الانتباه إليه في حياتهم؛ كأن يعيشوا بصدق كما يريدون، وأن يمنحوا الوقت الحقيقي للعائلة والأصدقاء بدلًا من روتين العمل المُجهِد، وأن يعبّروا عن مشاعرهم دون خوف، وأن يتمسّكوا بالصداقات التي تحمل صدقًا حقيقيًا، وأن يدركوا أن السعادة، في جوهرها، حالة داخلية لا تحتاج كل هذا التعقيد الذي نُحمّلها إياه.

وتعبّر مستغانمي عن هذه الفكرة بدقة حين تكتب أن «جمال الكتاب يكمن في تعلّم حكمة الشيخوخة في زمن الشباب، حتى لا نصل إلى مرحلة يصبح فيها التصحيح والترميم أمرًا شاقًا». وهي تلامس هنا مفارقة لافتة، مفادها أن القرارات التي تصوغ حياتنا فعلًا تتطلّب نوعًا من الشجاعة لا نمتلكه غالبًا إلا في وقت متأخر.

ومن وجهة نظري، فإن الإجابة أقرب إلينا مما نتصور. فالسعادة ليست فكرة بعيدة، ولا هدفًا مؤجلًا، بل مهارة يومية في ملاحظة النِعم التي تحيط بنا في صمت؛ أن نعود إلى بيوتنا، وأن نشعر بقرب العائلة، وأن ننهض كل صباح مدركين أننا ما زلنا على قيد الحياة، وأن نرى الأيام تمضي أمامنا رغم كل ما فيها.

ومع تقدّم العمر، تتغير مطالبنا. لا نطلب من الحياة الكثير؛ نطلب الحقيقة فقط. نبحث عن دفء عائلي يخفف أعباء الأيام، وعن صداقة – إن وُجدت – خالية من الحسابات والمصالح. نحتاج إلى أشخاص نستطيع أن نكون معهم على حقيقتنا، دون إنهاك المجاملات أو استنزافُق الأقنعة.

في هذه المرحلة، تصبح الصراحة طريق الراحة، والبساطة مرادفًا للغنى، والهدوء ضرورة لا ترفًا. أن نضحك بصدق، وأن نحزن بصدق، وأن نعيش دون مساحيق عاطفية أو أدوار إضافية. فليست قيمة الحياة فيما نكدّسه فيها، بل فيما نتعلّم أن نُحرّره منها، وأجمل العلاقات تلك التي لا تُجبرنا على أن نكون غير أنفسنا.

وربما أعمق ما نتعلّمه مع مرور الزمن أن السعادة لا تأتي من الخارج، ولا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع. السعادة حالة داخلية تنبع من قدرة الإنسان على الإصغاء إلى احتياجاته، والتصالح مع ذاته كما هي. لكل إنسان طريقته الخاصة في السعادة، وتعريفه لها، ومساحته التي يشعر فيها بالسكينة.

وفي الختام، السعادة ليست غاية نبلغها، بل إذنٌ نمنحه لأنفسنا كي تنمو في دواخلنا… لنعيش فرحنا كما نختار، وبالطريقة التي تشبهنا؛ لأن أجمل الفرح هو ذاك الذي يُشبه صاحبه!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية