الأمن الغذائي في البحرين: من سباق الاكتفاء إلى إدارة المخاطر
-
الأمن الغذائي لم يعد قضية تنموية مؤجلة بل أصبح أحد أعمدة الأمن الوطني في عالم تتسارع فيه الصدمات الاقتصادية
-
اعتماد البحرين على استيراد نحو 90 % من احتياجاتها الغذائية يجعل استقرار الإمدادات والأسعار مسألة سيادية لا تحتمل المخاطرة
-
الأمن الغذائي في البحرين لا يقاس بالاكتفاء الذاتي بل بقدرة النظام الغذائي على الصمود وامتصاص الصدمات الخارجية
-
الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2020 - 2030 تمثل انتقالا من التفكير الزراعي التقليدي إلى إدارة متكاملة لسلاسل الإمداد والمخاطر
-
مساهمة الزراعة لا تتجاوز 0.3 % من الناتج المحلي لكن قيمتها الاستراتيجية تفوق وزنها الاقتصادي بكثير
-
فاتورة الواردات الزراعية البالغة نحو 929 مليون دينار تعكس تحديا هيكليا يتطلب حلولا تتجاوز الدعم المؤقت للأسعار
-
المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي أثبتت أن الاستثمار الذكي يمكن أن يرفع الإنتاج بأكثر من 50 % رغم شح الأرض والمياه
-
التضخم الغذائي بالبحرين هو نتيجة تراكم عوامل عالمية من اضطراب سلاسل الإمداد إلى ارتفاع الضرائب وتكاليف الطاقة
-
الهدر الغذائي الذي يصل إلى 35 % يمثل أحد أكبر التحديات غير المرئية للأمن الغذائي والمائي والمالي في المملكة
-
الانتقال إلى “نظام غذائي مرن” يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمستهلك وليس سياسات إنتاج فقط
أعاد المشهد الدولي بالسنوات الأخيرة تعريف مفهوم الأمن الغذائي، من كونه قضية تنموية طويلة الأجل إلى كونه أحد عناصر الأمن الوطني المباشر. فقد أدت الاضطرابات الاقتصادية العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وفرض الضرائب، إضافة إلى النزاعات الجيوسياسية وتقطع سلاسل الإمداد، إلى موجات تضخم غذائي أثرت بشكل مباشر على مستويات المعيشة، خصوصا في الدول المستوردة للغذاء.
وتُعد مملكة البحرين واحدة من أكثر الدول تأثرا بهذه التحولات؛ نظرا لاعتمادها على الاستيراد لتأمين ما يقدَّر بنحو 90 % من احتياجاتها الغذائية. هذا الواقع يجعل من الأمن الغذائي قضية تتجاوز القطاع الزراعي، لترتبط بالسياسة التجارية، والمالية العامة، والدعم الاجتماعي، واستقرار الأسعار.
مفهوم الأمن الغذائي: من الاكتفاء إلى إدارة المخاطر
حافظت مملكة البحرين على مكانتها المتقدمة ضمن المرتبة السادسة عربيا في مؤشر الأمن الغذائي.
ويرتبط مفهوم الأمن الغذائي في البحرين، بحكم محدودية مواردها الطبيعية، لا بتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، بل ببناء نظام غذائي قادر على الصمود. ويعني ذلك ضمان:
- توافر الغذاء عبر الاستيراد والإنتاج المحلي.
- استقرار الإمدادات والأسعار.
- مرونة سلاسل التوريد.
- القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
وبهذا المعنى، يصبح الأمن الغذائي في البحرين مسألة إدارة مخاطر اقتصادية أكثر منه سباقا لزيادة الإنتاج الزراعي التقليدي.
الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2020 - 2030
أطلقت الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي (2020 - 2030) بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
وتضم الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي نحو 67 توصية، منها:
- الاستثمار في انتاج المحاصيل المبتكرة وتقنيات الطاقة المتجددة.
- تنويع الاستثمارات للوصول إلى مستويات أخرى من سلسلة الامدادات الغذائية.
- التخطيط الاستراتيجي اللازم للأمد القصير والمتوسط الأجل.
- تحديد التقنيات والتكنولوجيا الجديدة لزيادة إنتاج الدواجن والبيض.
المبادرة الوطنية
بتوجيهات من قرينة عاهل البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، تم إطلاق “المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي” في العام 2010 بهدف تطوير القطاع الزراعي. وتسعى المبادرة لتحقيق أهدافها عبر مجموعة من الآليات، وهي:
- سوق المزارعين.
- مبادرة “دمت خضراء”.
- مشروعات التشجير والحدائق.
- معرض البحرين الدولي للحدائق.
- جائزة الملك حمد للتنمية الزراعية.
- المنصة الزراعية.
وأسهمت المبادرة في رفع الإنتاج الزراعي المحلي بأكثر من 50 % خلال عقد، مع تحسين كفاءة استخدام المياه مقارنة بالزراعة التقليدية.
الواقع الزراعي والغذائي في البحرين
يلخص الجدول أدناه أهم المؤشرات المتعلقة بالواقع الزراعي والغذائي في البحرين. وتم أخذ البيانات من منصة البيانات المفتوحة، وهي أحدث بيانات متوافرة على المنصة.
- المساهمة في الناتج المحلي: بلغت قيمة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي 43.7 مليون دينار بالعام 2023، ما يعادل 0.3 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة، لكنها لا تعكس الأهمية الاستراتيجية للقطاع.

- الصادرات الزراعية: بلغت قيمتها 176 مليون دينار منخفضة عما هي بالعام 2022، وهي تتكون من الخضراوات وبعض أنواع الفواكه.
- الواردات الزراعية: وقد بلغت 929 مليون دينار، وهي فاتورة كبيرة تمثل 16 % من إجمالي الواردات غير النفطية بالعام 2023.
- كما يلاحظ أن العمالة الوطنية العاملة في القطاع الزراعي تمثل 8.3 % من إجمالي العاملين في القطاع.
- كذلك فإن المساحة الزراعية المزروعة بمختلف المحاصيل تبلغ ألفي هكتار، في حين تبلغ المساحة القابلة للزراعة 4 آلاف هكتار، وهي 0.5 % من مساحة البحرين البالغة نحو 78 ألف هكتار، ما يوضح ندرة الأراضي الزراعية في البحرين.
الهدر الغذائي يقدَّر بنحو 30 - 35 % (تقديرات)

التضخم
يلاحظ من الجدول أن معظم مجموعات الأغذية شهدت ارتفاعات كبيرة في العام 2023 و2024؛ بسبب تراكم تأثيرات تعثر سلاسل الإمداد وارتفاع التكليف علاوة على الأجواء المناخية في بعض الدول الآسيوية والعربية التي تستورد منها البحرين سلعها الغذائية. كذلك يعود إلى رفع نسبة ضريبة القيمة المضافة من 5 % إلى 10 % من يناير 2022.
أسعار المواد الغذائية

الصناعات الغذائية
فيما يلي أهم قطاعات الصناعات الغذائية وأبرز الشركات العاملة فيها:
1. صناعة الألبان والمشروبات والعصائر: شركة أوال للألبان وشركة البحرين للمياه والمشروبات وشركة المرطبات العالمية
2. صناعة الدواجن واللحوم المصنعة: شركة دلمون للدواجن والشركة العامة للدواجن وشركة ناس للأغذية.
3. صناعة الطحين والمخبوزات والمأكولات والحلويات : شركة البحرين لمطاحن الدقيق وشركة مصانع الدلة البحرينية وشركة موندليز الدولية.
4. صناعة السكر والزيوت: شركة السكر الخليجية والمصانع المحلية للزيوت.
5. الصناعات الزراعية الحديثة (التكنولوجيا الحيوية) ومصانع الاستزراع السمكي.
أهم المناطق التي تحتضن هذه المصانع:
- منطقة البحرين العالمية للاستثمار.
- منطقة الحد الصناعية: مركز للصناعات اللوجستية والغذائية الثقيلة.
- منصة استثمار الأراضي الحكومية: تخصص الحكومة أراضٍ زراعية في مناطق مثل “هورة عالي” و “بوري” و “الزلاق” للمستثمرين بأسعار محفزة.
دور القطاع الخاص
يلعب القطاع الخاص دورا رياديا في تبني الزراعة الذكية والبديلة:
- الزراعة المائية مثل شركات مزارع الغالية.
- مزارع الجزيرة للإنتاج الزراعي: نموذج ناجح في الإنتاج الحيواني والزراعي المتكامل وتطبيق التقنيات الحديثة لتحسين الإنتاج.
علاوة على ذلك، يلعب القطاع الخاص دورا كبيرا في الاستثمارات الزراعية، مثل
- مجموعة ترافكو وهي متخصصة في استيراد وتوزيع مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية وغير الغذائية.
- مجموعة بي أم أم أي، وهي مجموعة رائدة في تجارة التجزئة وتوزيع الأغذية.
- فاين فوودز، وهي أكبر مورد لخدمات التموين والمواد الغذائية في البحرين.
- ناس للأغذية: مستورد رئيس وتاجر جملة للمنتجات الغذائية المجمدة.
- شركة مصانع الدلة البحرينية للمواد الغذائية: تعمل في صناعة الأطعمة المعبأة منذ العام 1974.
التحديات والصعوبات
التحديات الطبيعية والبيئية:
- شح المياه: تعتمد البحرين بشكل شبه كامل على المياه المحلاة، ما يرفع كلفة الإنتاج الزراعي ويحد من التوسع.
- التغير المناخي: ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار يؤثران على الإنتاجية الزراعية ويقصران مواسم الزراعة.
- التربة: محدودية الأراضي الصالحة للزراعة، وارتفاع الملوحة، يقللان من الجدوى الاقتصادية للزراعة التقليدية.
التحديات الاقتصادية والتمويلية
- ضعف التمويل طويل الأجل للمشروعات الزراعية.
- اعتبار الزراعة قطاعا عالي المخاطر من منظور البنوك.
- ارتفاع كلفة الإنتاج مقارنة بالمنتجات المستوردة الأرخص.
تحديات الهيكلية في سلاسل القيمة الغذائية
- تجزؤ الإنتاج الزراعي وهيمنة المزارع الصغيرة.
- ضعف الربط بين المزارع والصناعات الغذائية.
- محدودية قدرات التخزين البارد والنقل المبرد في بعض السلع.
- الاعتماد المرتفع على الاستيراد للمواد الخام حتى في الصناعات الغذائية.
التحديات البشرية والمؤسسية
- ضعف إقبال العمالة الوطنية على العمل الزراعي.
- الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة منخفضة المهارة.
- نقص الكفاءات المتخصصة في الزراعة الذكية وإدارة البيانات الزراعية. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)
التحديات الاستهلاكية والسلوكية
- ارتفاع معدلات الهدر الغذائي (30 - 35 %)، خصوصا في المنازل والمطاعم.
- أنماط استهلاك غير رشيدة.
- ضعف الوعي بقيمة الغذاء وأثر الهدر على الأمن الغذائي والمياه والطاقة.
التوصيات - من المبادئ إلى أدوات التنفيذ
- دمج الأمن الغذائي في السياسة الاقتصادية الكلية واعتبار الأمن الغذائي جزءا من التخطيط الاقتصادي والمالي وليس ملفا قطاعيا.
- إنشاء صندوق وطني للزراعة: تأسيس صندوق متخصص لتمويل الزراعة وتقديم قروض الطويلة الأجل والضمانات الحكومية.
- الإنتاجية: تحسين كفاءة استخدام المياه مثل الزراعة المائية والعمودية والبيوت المحمية الذكية وربط الزراعة بالطاقة المتجددة.
- تشجيع الاستثمار في الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة وتقليل استيراد المنتجات الغذائية النهائية وتعزيز التصدير الإقليمي للمنتجات المصنعة.
- تشريع قوانين للحد من الهدر الغذائي ودعم سلاسل التبريد والنقل المبرد وتشجيع إعادة تدوير الغذاء غير الصالح للاستهلاك.
- الاستثمار في رأس المال البشري الزراعي وإدخال برامج تعليم وتدريب في الزراعة الذكية وإدارة البيانات الزراعية.
- تعزيز التكامل الخليجي: إنشاء آليات خليجية مشتركة للمخزون الاستراتيجي وتنسيق الاستيراد وإدارة الأزمات الغذائية.
الخاتمة
الأمن الغذائي في البحرين ليس معركة إنتاج فقط، بل معركة إدارة موارد، وتمويل، وسلوك استهلاكي.
والانتقال من نموذج “الاستيراد الآمن” إلى نموذج «النظام الغذائي المرن» يتطلب قرارات جريئة، واستثمارات ذكية، وربطا حقيقيا بين الاستراتيجية والتنفيذ.
