الديون السيادية العربية.. قنابل صامتة
عجز الميزانيات العربية يتسع.. والدين العام يقترب من 40 % من الناتج
على امتداد العقدين الماضيين، تصاعدت التحذيرات من تضخم الديون السيادية في العالم العربي، لكنها غالبا ما بقيت خارج دائرة الاهتمام العام، على الرغم من أنها تمثل اليوم أحد أكبر مصادر التهديد المباشر للقدرة التنموية والاقتصادية للدول العربية.
ولم تعد الديون مجرد أرقام تتبدل في دفاتر وزارات المالية، بل تحولت إلى قيدٍ استراتيجي يحدد السياسات، ويقيد الخيارات، ويؤثر في كل شيء: من الصحة والتعليم، إلى سعر العملة، وصولا إلى السيادة السياسية ذاتها، وبينما تشكل الديون السيادية ظاهرة عالمية آخذة في التوسع، إلا أن طابعها في المنطقة العربية يتخذ ملامح أكثر تعقيدا! إذ تتداخل العوامل الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية وتعقيدات البنية المالية للدول، ما يجعلها أقرب إلى “قنابل صامتة” قد تنفجر في أي لحظة، إذا ما تعثر الأداء الاقتصادي أو تغيرت ظروف السوق العالمية.
واقع الميزانيات
وبنظرة إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2024، تشير إلى أن قيمة الميزانيات العامة لنحو 12 دولة عربية في العام 2023 بلغ ما يزيد عن تريليوني دولار، وأن إجمالي الإنفاق العام بلغ 1036 مليار دولار، كما بلغ إجمالي الإيرادات العامة 976 مليار دولار، وبذلك فإن العجز بلغ نحو 60 مليار دولار.
والبيانات التي عرضها التقرير الصادر عن مؤسسات الجامعة العربية، تخص نحو نصف الدولة العربية، من إجمالي 21 دولة، وبلا شك فإن تريليوني دولار في منطقتنا العربية، رقم يستحق الوقوف عنده، لذلك، فإن من البيانات المتممة في إطار الحديث عن الميزانيات العربية، أمر الدين العام للدول العربية، والذي قدره التقرير بنحو 1326 مليار دولار، وهو ما يمثل 39.3 % من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، البالغ 3.3 تريليون دولار.
وبنظرة أيضا إلى قضية الديون العامة في الدول العربية، خصوصا غير النفطية منها، نجد أنها كفيلة بإزاحة الحكومات، وليس مجرد الإغلاق الحكومي، فلم يُسمع في الدول العربية أنه تم عرض لكيفية التصرف في الديون العامة، ولا أن الحكومات قدمت برامج زمنية للتخلص من أعباء هذه الديون، أو محاسبة مسؤول أو حكومة ارتفعت في عهدها الديون العامة، وكيف أنفقت. والميزانية العامة للدولة مكون معتبر في واقع الدولة الحديثة؛ نظرا لأنها عموما تحدد الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، كما أنها تعتمد بشكل كبير على الإيرادات الضريبية، ما يستلزم الشفافية والمشاركة من قبل الحكومة، وكذلك يستلزم الأمر الرقابة والمحاسبة من قبل البرلمانات والمجتمعات عموما.
إجراءات لا تسمن
في الدول العربية، تنص الدساتير على إلزام الحكومة بتقديم الميزانيات للبرلمانات وضرورة اعتمادها من قبل المجالس التشريعية في مواعيد محددة، بعد مناقشتها، وكذلك اعتماد حساباتها الختامية، إلا أن الواقع العملي، وفي ضوء المعطى السياسي للواقع بدولنا العربية، يتم تمرير الميزانيات ومناقشتها واعتمادها، ومراجعة حساباتها الختامية، بشكل روتيني في معظم الأحيان، دون أي عبء لما تتضمنه من عجز أو دين عام، من شأنه أن يؤثر على المقدرات الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.
ومما يساعد على هذا الواقع السلبي، سيطرة الحكومات والسلطة التنفيذية على مقدرات السلطتين التشريعية والقضائية، وكذلك المؤسسات الرقابية، حيث تفتقد الأخيرة الاستقلالية المطلوبة بسبب أن السلطة التنفيذية هي من تأتي بالعاملين بهذه المؤسسات.
لماذا تقترض الدول العربية؟
سؤال في قلب معادلة التنمية، فعموما، يمثل الاقتراض أداة سياسية واقتصادية طبيعية تلجأ إليها الحكومات لتمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى، أو مواجهة الأزمات، أو تحفيز الاقتصاد بفترات الركود، لكن في العالم العربي، تحول الدين السيادي في كثير من الحالات من وسيلة إلى غاية قسرية، تضطر إليها الدول ليس لتعزيز النمو، بل لسد العجز وتمويل الإنفاق الجاري، وسداد ديون سابقة.
وقد شهد العقد الأخير توسعا كبيرا في الاقتراض الحكومي، ففي ظل تقلب أسعار النفط، وتزايد البطالة، وزيادة الاحتياجات الاجتماعية، أصبح الاقتراض (الخيار الأقل كلفة سياسيا)، بالرغم من خطورته الاقتصادية على المدى الطويل، لكن السؤال المهم: ”لماذا لا تكف بعض دول الشرق الأوسط عن الاقتراض رغم ارتفاع مديونيتها؟
والإجابة تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية:
- العجز المالي المستمر الذي يتطلب تمويلا سنويا ضخما.
- الحاجة لتمويل الاستيراد في دول مستهلكة للطاقة والمواد الغذائية.
- شروط سياسية واستراتيجية مرتبطة بالمساعدات الخارجية تجعل بعض الدول تعتمد على قروض ميسرة مصحوبة بضغوط سياسية.
المساعدات المشروطة
وفي هذا الصدد، يرى الخبير الأميركي رايان بول، كبير محللي الشرق الأوسط في شركة RANE Network، أن بعض الدول أصبحت تعتمد على المساعدات الخارجية كجزء من ميزانيتها، خصوصا في دولتين (...)، ما يجعل هذه المساعدات مشروطة أحيانا بمواقف سياسية تتعلق بالعلاقة مع إسرائيل أو بإدارة ملف اللاجئين.
ليست الديون قضية مالية فحسب؛ بل إنها أداة نفوذ. ويتضح ذلك جليا في تجارب إحدى الدول، ففي العام 1994، وافقت على توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل بعد أن وعدتها الولايات المتحدة بإعفاءات ديون بلغت 700 مليون دولار، إضافة إلى دعم مالي كبير من حلفائها، وقد وصف معهد واشنطن هذا الدعم بأنه (عنصر حاسم)، أما الدولة الأخرى، فمنذ اتفاقية كامب ديفيد العام 1978 تراكمت عليها مساعدات تقدر بـ 49 مليار دولار في ربع قرن، بين دعم اقتصادي وعسكري، وقد ارتبط هذا الدعم مباشرة بالاستقرار السياسي في المنطقة واستمرار ترتيبات السلام، وهذان المثالان يؤكدان أن الديون ليست مجرد خيار اقتصادي، بل أداة سياسية تحدد مسارات الدول ومواقفها، وتمنح مانحي التمويل نفوذا واسعا لا يُناقش غالبا في العلن.

