العدد 6279
الثلاثاء 23 ديسمبر 2025
مطبعة المسيرة وردّ جميل مدرسة الهداية
الثلاثاء 23 ديسمبر 2025

في مملكة البحرين، لا تأتي المناسبات الوطنية بوصفها احتفاءً بالفرح وحده، بل كعودة واعية إلى الذاكرة. ففي نسختها الخامسة، تحضر القرية التراثية كمساحة تستدعي الماضي الجميل، حيث لا تُقام مجسّمات المباني القديمة للعرض فقط، بل لتذكير الزائرين بأن هذا الوطن بُني بالجهد والعمل قبل أن يُعرف بالإنجازات. هناك باب البحرين، ومبنى البريد القديم، ومسجد الخميس، ومدرسة الهداية الخليفية.. معالم راسخة تؤكد أن البدايات المتواضعة هي التي تصنع الإرث الدائم.

في مدرسة الهداية تحديدًا، لا تقتصر الزيارة على الجدران أو الطراز المعماري. في الداخل، تنفتح الحكاية على عمقٍ أكبر، حيث توثّق الصور المعلّقة بدايات التعليم، وتحمل كل صورة عبارة صغيرة قد لا يلتفت إليها الكثيرون: «طُبعت في مطبعة المسيرة للطباعة والنشر». تفصيل يبدو بسيطًا، لكنه يحمل دلالة كبيرة لمن يعرف قصته.

فمطبعة المسيرة لم تكن مجرد مشروع تجاري، بل كانت جزءًا من سيرة رجل تعلّم في مدرسة الهداية، ودرّس فيها، وحمل قيمها معه طوال حياته. ذلك الرجل هو والدي الراحل خليفة حسن قاسم، أحد أبناء الجيل الذي صقلته المدرسة قبل أن ينطلق إلى آفاق العمل خارج البحرين، في الكويت حيث أسهم في تأسيس مجلة «النهضة»، وقطر، حيث عمل مديرًا في إحدى مدارسها، ثم عاد بما اكتسبه من خبرة ليضعه في خدمة مجتمعه. وحين منّ الله عليه بالمطبعة، لم يتعامل مع مدرسة الهداية بوصفها زبونًا، بل باعتبارها جذرًا أصيلًا لا يُنسى، فكان يطبع كل ما يتصل بها دون مقابل، وفاءً خالصًا لا ينتظر شكرًا أو تقديرًا.

وكان ارتباط والدي بالعمل الوطني مبكرًا، إذ تولّى مسؤولية تحرير مجلة «البيرق» التابعة لقوة دفاع البحرين، في الفترة التي عمل فيها مع جلالة الملك، حين كان وليًا للعهد، في العام 1974، وهي تجربة أسهمت في ترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية لديه، وجعلت خدمة الوطن جزءًا من سلوكه المهني والإنساني معًا.

هذه ليست حكاية شخصية فحسب، بل رسالة إلى الأجيال الجديدة، وإلى أولئك الذين يمرّون اليوم على تلك الصور دون أن يتوقفوا عند سطورها الصغيرة.
فبعض أعمال الخير تُنجز بصمت، وبعض الأسماء تختار البقاء في الخلف، لا بحثًا عن تواضع مصطنع، بل إيمانًا بأن العطاء الحقيقي لا يُطلب له ثمن، وأن الوطن يُخدم لأنه وطن.

لم تكن الهداية مدرسة فقط، بل فضاءً فتح العقول، ولم تكن المسيرة مطبعة فقط، بل شاهدًا صامتًا على معنى الانتماء. بين التعليم والحبر، بين الجدران والصور، يتجلّى درس لا تدرّسه المناهج: أن الكرم الأصيل يبدأ من الذاكرة، وأن الإحساس بالوطن يبقى حاضرًا في الضمير، حتى من دون مناسبة.

هذا ما أردت تسجيله.. كلمة وفاء، لا أكثر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية