لم يعد الأمن البحري مسألة تقنية تُدار على الهامش، بل بات عنصراً محورياً في منظومة الاستقرار الوطني وحماية المصالح الحيوية. وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في دول يرتبط تاريخها واقتصادها وجغرافيتها بالبحر، وفي مقدمتها مملكة البحرين. ومن هذا المنطلق، يتجاوز التمرين البحري المشترك “الحارس اليقظ 14” كونه نشاطاً تدريبياً، ليعكس رؤية أمنية تقوم على الجهوزية، والعمل الجماعي، والتنسيق المؤسسي.
المتابعة الميدانية والإشراف المباشر من الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، يؤكد أن التدريب لم يعد إجراء روتينياً، بل خياراً استراتيجياً يستند إلى توجيهات واضحة وفرضيات واقعية لمواجهة التحديات البحرية المحتملة، وهو ما يفسر التركيز على سرعة الاستجابة، وحُسن اتخاذ القرار، والعمل ضمن فريق واحد قادر على التعامل مع المتغيرات. ويأتي “الحارس اليقظ 14” ثمرة برنامج تدريبي متكامل نفذته قيادة خفر السواحل، شمل خمسة تمارين رئيسة هدفت إلى رفع مستوى الجهوزية، وتعزيز التنسيق، وصقل مهارات التخطيط والتنفيذ العملياتي. هذا النهج التدريجي يعكس إدراكاً مؤسسياً بأن الأمن لا يتحقق في وقت قصير، بل يُبنى عبر التدريب المستمر والتطوير المتواصل.
ومن أبرز ما ميّز التمرين التركيز على دمج التقنيات الحديثة في منظومة الأمن البحري، سواء في جمع المعلومات، أو أعمال المراقبة والرصد، أو تقييم المخاطر. وهو توجه ينسجم مع التحولات المعاصرة في مفاهيم الأمن، حيث أصبحت التقنية عنصراً داعماً ومكملاً للجهوزية البشرية والميدانية، كما برزت أهمية المشاركة المؤسسية الواسعة في التمرين، بحضور رئيس الشرطة الفريق طارق بن حسن الحسن، ونائب الأدميرال كيرت رينشو قائد القوات البحرية بالقيادة المركزية الأميركية إلى جانب جهات وطنية متعددة، ما يؤكد أن تأمين المياه الإقليمية مسؤولية جماعية تُدار بالتنسيق وتبادل الخبرات.
وقد أكد معالي وزير الداخلية هذا المعنى بإشادته بالتنسيق الميداني الفعال في تنفيذ الخطط والعمليات الأمنية المشتركة، مشدداً على أهمية مواصلة التدريب، وبناء القدرات، وتطوير العمل الميداني المشترك.
والجدير ذكره أن هذه التمارين تفتح المجال لمقترح عملي يتمثل في توسيع نطاق التمارين المستقبلية لتشمل سيناريوهات مرتبطة بالتطورات التقنية والتغيرات البيئية، إلى جانب تعزيز الربط بين الأمن البحري وحماية سلاسل الإمداد والموانئ. فالأمن البحري اليوم لم يعد مقتصراً على حماية المياه، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من حماية الاقتصاد الوطني، وضمان انسيابية الملاحة، وترسيخ ثقة الشركاء، وهو مسار تمتلك مملكة البحرين المقومات الكاملة لمواصلته برؤية مؤسسية يقظة وواضحة.
كاتبة وأكاديمية بحرينية