يأتي الثامن عشر من ديسمبر، اليوم العالمي للغة العربية، باعتباره لحظة تأمل حقيقية في لغة نعيش بها قبل أن ننطقها، ونفكر عبرها قبل أن ندونها. إنه موعد يلتقي فيه الفكر بالفعل، ويتحول فيه الوعي إلى ممارسة ملموسة، وتستعيد فيه اللغة حضورها بوصفها جوهراً للهوية لا مجرد أداة للتواصل.
في هذا السياق، يلفت الانتباه ما طرحه الكاتب الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي في مقاله المنشور بصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 14 ديسمبر 2025، حيث قدّم قراءة عميقة لمكانة اللغة العربية، معتبراً إياها وعياً حميماً يشكل أساس علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا. فاللغة، وفق هذا التصور، ليست وسيلة لنقل الأفكار فحسب، بل الإطار الذي تتكون داخله الأفكار ذاتها، والوعاء الذي يحمل ذاكرتنا وأحلامنا وتصوراتنا، ويمنح وجودنا معناه.
ومن هنا، فإن إهمال اللغة لا يعني فقدان أداة، بل مساساً مباشراً بجوهر الهوية وتحويل الإنسان إلى كائن يعيش بوعي مستعار.
هذه الرؤية الفكرية لا تبقى حبيسة النص، بل تجد امتدادها العملي في مبادرات ثقافية واعية، من بينها مبادرة صحيفة البلاد "نحتفي بيوم الضاد"، التي اختارت أن تعبّر عن الاحتفاء باللغة العربية عبر جماليات الخط العربي في عناوين صفحتها الأولى. لم يكن ذلك مجرد اختيار بصري، بل رسالة ثقافية تقول إن اللغة تُرى كما تُقرأ، وإن الخط العربي هو التعبير البصري الأصدق عن روح العربية وعمقها الحضاري.
وقد تولّى الخطاط البحريني علي جمعة تنفيذ عناوين العدد بخط يدوي حمل دلالات الجمال والرصانة معاً، مؤكداً أن اللغة العربية قادرة على أن تكون معاصرة دون أن تفقد هيبتها، ومتجددة دون أن تتخلى عن جذورها. فالخط هنا لم يكن تزييناً للنص، بل امتداداً لمعناه، وجسراً بين الكلمة وروحها.
ما قامت به صحيفة البلاد البحرينية يعكس فهماً لدور الصحافة الثقافي، بوصفها شريكاً في حماية الهوية وتعزيز الذائقة العامة، لا ناقلاً محايداً للأخبار فحسب. وهو توجه ينسجم مع ما دعت إليه منظمة "اليونسكو" في احتفالاتها المتعاقبة باليوم العالمي للغة العربية، من ضرورة إشراك الإعلام والتعليم والتقنيات الحديثة في رسم مستقبل أكثر حيوية وشمولاً للغة الضاد.
وحين يتقاطع فكر حجازي، الذي نبّه إلى أن أخطر ما يهدد العربية يأتي من داخلها، مع مبادرة إعلامية تُعيد الاعتبار لجمال اللغة وحضورها، تتضح الرسالة الأساسية في أن اللغة لا تُصان بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، والوعي، والإبداع. فالاحتفاء بيوم الضاد ليس تمجيداً لماضٍ مجيد فحسب، بل التزاماً أخلاقياً بمستقبل لغة ما زالت قادرة على الحياة، شرط أن نكتبها بوعي، ونمنحها ما تستحقه من احترام وجمال.