اختارت أستراليا أن تهزّ الطاولة، وأن تكون أول دولة تمنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على مواقع التواصل. قرار أثار نقاشاً واسعاً، لكنه فتح الباب أمام سؤال جوهري: هل مازلنا نسمح للطفل بأن يعيش طفولته حقاً؟ رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز لم يتحدث عن قوانين فحسب، بل عن فلسفة تربوية تريد إعادة الاعتبار لتلك الطفولة الطبيعية التي يتعلم فيها الصغار القيم من تلقاء أنفسهم، لا من خلال المحاضرات والمواعظ والمواد التشريعية. فالبيت - لا الشاشة - هو المكان الذي يلتقط فيه الطفل أول دروس الاحترام، والاعتذار، وتحمل المسؤولية، والتعاطف مع الآخرين، قبل أن يعرف الفرق بين “لايك” و”أن فولو”.
لكننا اليوم نعيش زمن “جيل النكتس”؛ كل شيء سريع، وردود الفعل أسرع، والطفولة مضغوطة على طريقة الفاست فود. كأن الصغار في سباق مع الزمن ليكبروا قبل أوانهم، معتبرين أن اللعب القديم “موضة منتهية”، وأن الصداقة الحقيقية “مفهوم قديم”، وأن البراءة لم يعد لها مكان في العصر الرقمي. وحين تفوت دروس الأخلاق الأولى، تظهر النتائج في المراحل اللاحقة: جيل يفقد احترامه لمن يكبره سناً أو علماً. الاحترام الذي كان ضرورة أصبح خياراً محتملاً، والحوار مع أهل الخبرة تحوّل من فرصة للتعلم إلى مواجهة إلكترونية. كان الكبار يُصغون أولاً ثم يناقشون، أما الآن فالكثير من الصغار يجيبون قبل اكتمال السؤال.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إيلاماً: حين نتحدث عن “حقوق الإنسان”، عن أي إنسان نتحدث؟ صار المصطلح أحياناً مظلة تُستخدم لتبرير الأخطاء، وكأن كل من يرفع الشعار يستحق البراءة تلقائياً، كيف يُقارن من يسرق بمن يعمل بشرف؟ وكيف يوضع المسيء في مستوى الإنسان الذي يسهم في استقرار المجتمع؟ لقد باتت بعض الخطابات الحديثة تخلط بين الجاني والضحية، حتى ضاعت الحدود الأخلاقية وبات التمييز بين الخطأ والصواب مهمة شاقة.
لذلك يبدو القرار الأسترالي أقرب إلى صافرة إنذار: استعيدوا الطفولة قبل أن تبتلعها الشاشات بالكامل. فالأطفال بحاجة إلى الضحك الحقيقي، إلى خلافات بسيطة مع الأصدقاء، إلى ممارسة الاعتذار والتسامح، وإلى تعلم أن الخطأ جزء من الحياة، وأن الإصلاح ممكن. فالقيم لا تُحمَّل من متجر التطبيقات، ولا تُحدَّث بلمسة إصبع؛ إنها القدرة على النهوض بعد السقوط، وعلى احتواء المشاعر، وعلى إدراك أن احترام الآخرين واجب إنساني.
المفارقة أن بعض الشباب بات ينظر إلى الحياة كأنها خدمة “درايف ثرو”: اختر، اطلب، خذ فوراً.
لكن الإنسان ليس وجبة جاهزة، والقيم لا تنضج على عجل، والشخصية لا تنمو أمام الضوء الأزرق للشاشات.
خطوة أستراليا ليست مبالغة، بل تذكير بسيط وعميق: من يخسر طفولته.. يخسر بوصلته الأخلاقية.
كاتبة وأكاديمية بحرينية