في بوماهر يبدأ الدرب الذي يحفظ روح المحرق، تلك المدينة التي تختزن البحر في ذاكرتها كما تحتفظ الأمهات بأسماء أبنائهن.
من حالة بوماهر العريقة تنطلق الحكاية، من سكة صغيرة تحمل في تفاصيلها جوهر الهوية البحرينية، وتعيد للفرجان نبضها كلما عادت ليالي المحرق بثوبها المتجدد.
النسخة الرابعة من مهرجان "ليالي المحرق" هذا العام أعادت تقديم جمال هذه المدينة الضاربة في التاريخ؛ فمن شاطئ بوماهر حتى قلب البيوت والأسواق، ينبض المكان بتاريخ طويل وحضور لا تخطئه العين.
وقد دشّن سمو الشيخ محمد بن سلمان بن حمد آل خليفة انطلاقة المهرجان، مؤكدًا دوره في موسم أعياد البحرين وفي إبراز الإرث الثقافي للمحرق وعمق حضورها في الوجدان الوطني.
وتواصل هيئة البحرين للثقافة والآثار جهودها لتكون هذه الفعالية أكثر من مجرد مهرجان، بل ذاكرة حيّة وملتقى يجمع محبي المحرق من مختلف الأجيال. ومع أكثر من 560 فعالية هذا العام، يثبت الحدث أنه ثمرة تعاون واسع بين القطاعين العام والخاص، وبين الحرفيين والفنانين وأصحاب المشاريع الإبداعية، في مشهد ثقافي يصل أثره إلى كل بيت بحريني.
وتعود الدواعيس القديمة لتتنفّس روحها الأولى، حيث ينساب صوت النهّام بين الدواعيس، وتفتح البيوت التراثية أبوابها من جديد: بيت الكورار، ودار البنّائين، وصاغة الذهب في القيصرية، ودكاكين تحت أضواء المحرق التي استعادت حضورها بروح الماضي ودفء الحاضر.
أما الفنون والعروض والورش، فتصنع مزيجًا يجعل الزائر يشعر أن المحرق ليست وجهة عابرة، بل تجربة تُعاش بكامل تفاصيلها.
وتظل المحرق ركيزة أساسية في الهوية البحرينية، بما تحمله من امتداد طبيعي لذاكرة المكان وروابطه الاجتماعية المتجذرة.
فالدرب الذي يبدأ من حالة بوماهر ليس مجرد مسار جغرافي، بل امتداد لهوية تُصان كلما أُعيد إحياء مواقعها التاريخية وفضاءاتها الثقافية.
وفي ختام هذه الليالي، تبقى كلمات الشاعر البحريني الكبير إبراهيم الأنصاري معلّقة في فضاء المدينة، كأنها نشيد هادئ يبارك خطواتها ويستعيد جمالها العتيق:
"يا سَدْرةَ حوشِنا وطيورٌ ترفرف بالمحبة وفيّ يضري الناس..
يا سِكَّة تمشي في أعماقي..
ويا صوتَ نَهّامٍ في سَهْدَةِ ليلٍ.. ودحّةِ مايٍ تساسر لهفة أشواقي.."