العدد 6267
الخميس 11 ديسمبر 2025
تحرك نيابي يُقدر، لكن الملف لا يحتمل التراخي
الخميس 11 ديسمبر 2025

تزداد الحاجة اليوم إلى مراجعة جادة لكيفية حماية حقوق الناس في ظل بيئة استثمارية تشهد تحديات واضحة، خصوصاً مع تكرار مغادرة بعض المستثمرين الأجانب للبلاد دون الوفاء بالتزاماتهم تجاه العمال أو الشركاء أو الجهات الرسمية. فالأمر لم يعد مجرد اضطراب في السوق، بل مساس بالأسس الأخلاقيه والقانونيه التي قامت عليها بيئة الاستثمار في مملكه البحرين. ولا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض فيما تُهمش حقوق الناس أو توضع جانباً.

وتأثير هذه المشكلة لا يتوقف عند المؤسسات، بل ينعكس مباشرة على حياة الناس. العامل البحريني الذي يكدّ لشهور طويلة يفاجأ بأن جهده تبخّر حين يختفي صاحب العمل تاركاً رواتب غير مدفوعة كانت تُعيل أسرته. والأسر التي تعتمد على دخل ثابت تجد نفسها أمام ضيق مالي مفاجئ حين يتلاشى مصدر رزقها بين ليلة وضحاها. أما الشريك الوطني فيُترك في مواجهة ديون لم يتسبب بها، محاصراً بتبعات شراكة انهارت من جانب واحد. ويزداد المشهد قسوة بالنسبة لأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الذين يرون أحلامهم تتهاوى أمام أعينهم، بعد أن تحولت عقود ووعود إلى أوراق بلا قيمة. فهذه الخسائر ليست مجرد أرقام، بل قصة ثقة مكسورة وبيوت يدخلها الاضطراب بعد أن كانت مستقرة.

ومع كل ذلك، لم يعد التعامل مع هذه الحالات بسيطاً كما كان في السابق. فإجراءات منع السفر، أصبحت اليوم موضوعاً حساساً في المعايير الحقوقية الدولية، حتى حين يتعلق الأمر بمدين أو شخص متهرب من مسئولياته. وهنا تقف مملكه البحرين أمام معادلة دقيقة: احترام المعايير الدولية من جهة، وحماية المواطن من الضرر من جهة أخرى. 

معادلة تتطلب حلولاً أكثر ذكاء توازن بين الأمرين دون التضحية بحقوق أي طرف.

ومن بين الحلول التي يمكن أن تشكل بديلاً عملياً ربط السجل التجاري مباشرة بالتزامات المستثمر، بحيث يصبح من المستحيل نقل النشاط أو إغلاقه قبل تسوية جميع المستحقات. كما يمكن للمصارف أن تتدخل مبكراً بتجميد التعاملات عند ظهور أي مؤشرات للتعثر، فلا يُترك المجال لتهريب الأموال حتى لو غادر المستثمر فعلياً. ويمثل التأمين الإلزامي على حقوق العمال والشركاء آلية إضافية للحماية، تضمن التعويض الفوري للمتضررين، بينما تتولى شركات التأمين متابعة المستثمر خارج الحدود. بهذه الطريقة تُقدم حماية للحقوق المالية من دون المساس بحرية التنقل.

ويبقى دور مجلس النواب محوريا في هذا الملف. فالخطوات الأولى التي قام بها المجلس تُقدر، لكنها تحتاج متابعة مستمرة ورقابة لا تهدأ، وسد أي ثغرات قد تسمح بتكرار المشهد. فحماية حقوق الناس ليست مهمة موسمية، بل مسار يحتاج إلى تشريعات متواصلة تضمن التزامات واضحة على الجميع. ويأتي الإعلام ليكمل هذا الدور من خلال كشف أثر هذه الممارسات على المواطنين، ودعم أي جهد تشريعي يسعى لحماية المجتمع من تبعات الهروب والفوضى المالية.

إن مملكه البحرين، بما تمتلكه من خبرات تشريعية واقتصادية، قادرة على بناء بيئة استثمارية عادلة لا تضيع فيها الحقوق لمجرد أن صاحبها قرر الاختفاء. الهدف ليس نفور المستثمر الجاد، بل ضمان ألا يتحمل المواطن أخطاء غيره، وأن تبقى الحقوق محفوظه مهما تغيّر الأشخاص أو غابوا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .