تُعدّ السينما من أكثر الفنون تأثيرًا وأعمقها حضورًا في الوعي الجمعي، ليس لأنها فن بصري فحسب، بل لأنها تتحول بحكم طبيعتها إلى مرآة تعكس حياة الشعوب وتفاعلهم وتناقضاتهم. فهي تملك كل أدوات التعبير الممكنة: من الصورة والصوت، إلى الرمز والحوار، وصولًا إلى ذلك الصمت الذي كثيرًا ما يكون أبلغ من الكلام، ما يجعل رسالتها الاجتماعية حساسة وواسعة الأثر.
في لقائي مع المخرج السينمائي الأهوازي حبيب باوي ساجد، توقفت عند نقطة بالغة الأهمية أثارها بوضوح حين أكّد أن “الحالات التي خصّصت فيها بعض الأفلام الإيرانية أجزاءً من قصصها للعرب، قدّموا فيها بصورة بعيدة تمامًا عن واقعهم؛ إذ ظهروا وهم يتحدثون الفارسية بطريقة ساخرة، ويرتدون الزي العربي بشكل مشوّه ومهين. تلك الأعمال، بقصد أو دون قصد، ساهمت في تهميش الهوية العربية في الأهواز وإنكار جذورها التاريخية والثقافية. ومن جانب آخر، كان حضور الفنانين العرب الأهوازيين في السينما الإيرانية محدودًا للغاية، بل يكاد يكون معدومًا، ما جعل الصورة السينمائية للعرب تُصنع غالبًا من خارج تجربتهم الحقيقية”.
وهذه واحدة من أكثر الأوتار الحساسة التي تضرب عليها السينما عندما تختلق روايات بعيدة عن الواقع، وتوزّع صورًا مزيفة عن حياة الشعوب، كما تفعل السينما الأميركية حين تُصر على تقديم الإنسان العربي والمسلم بوصفه إرهابيًا أو جاهلًا.
إن خطورة هذه الصور النمطية لا تكمن في إساءتها لشعوب كاملة، بل في قدرتها على التسلل تدريجيًا إلى الوعي العام، حتى تصبح وكأنها حقائق لا يناقشها أحد. لذلك تبدو الحاجة ملحّة لإنتاج سينمائي يعيد الاعتبار للهوية العربية، ويقدّم سرديات نابعة من جذورها الحقيقية.