العدد 6243
الإثنين 17 نوفمبر 2025
دمعة وفاء على الفقيد الراحل المهندس عبدالله بن محمد بن عبدالله جمعة
الإثنين 17 نوفمبر 2025

إن كلمات الرثاء صعبة في حق الفقيد، الذي رحل إلى رحاب الله سبحانه وتعالى في مساء يوم الأربعاء جمادى الأولى 1447 هـ الموافق 5 نوفمبر 2025، وووري جثمانه الثرى في اليوم التالي بعد صلاة العصر في مقبرة المنامة، فقد 
كان للفقيد مكانة خاصة في قلوب الأقارب والمعارف، وارتبط اسمه وعمله بكل معاني الخير، وكان نموذجا مشرّفا للمواطن البحريني يحتذى به، فقد سخر حياته لخدمة القيادة الحكيمة والوطن والمجتمع البحريني، وترك وراءه إرثا من العطاء لا ينسى، فقد حرص على مشاركة الناس في أتراحهم وأفراحهم، ولمس الجميع ما يتحلى به من أخلاق حميدة وتواضع وعطاء وإسهامات إنسانية وخيرية، وترك بصمات مضيئة في مختلف المجالات، خاصة بعد انضمامه إلى إدارة الكهرباء في العام 1970 قبل أن تتحول إلى وزارة الكهرباء والماء وكان دائم الحضور في مجلس والده الأسبوعي، وبعد وفاة والده في العام 1999، حرص الفقيد على استمرار فتح المجلس، الذي كان منذ بدايته يمثل بوتقة حضارية للم شمل جميع مكونات المجتمع البحريني بأعراقه وأطيافه المتحابة، حتى إغلاقه خلال جائحة كورونا، وبعدها استمر الفقيد في فتح المجلس مساء كل يوم أحد من بداية كل شهر، وكان يوصي الأهل والأقارب والمعارف والأصدقاء بالحضور في المجلس ويسأل عن الغائب. 
ولد الفقيد في قلب مدينة المنامة، بحي “فريج كانو” في يناير 1946، وتلقى تعليمه التحضيري في المدرسة الشرقية للبنين بالمنامة، وانتقل إلى مدرسة رأس الرمان الابتدائية، ثم واصل دراسته في المدرسة الثانوية للبنين بالقضيبية، وتخرج منها في العام الدراسي 1962 – 1963 الفرع العلمي، وتوجه بعدها إلى المملكة المتحدة لتحقيق حلمه بدراسة الهندسة الكهربائية، فالتحق بكلية “كونكورد” التأهيلية بالعام 1966، ثم بجامعة سالفورد في مانشستر، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية بعد أربع سنوات من الدراسة.

يعد الفقيد أحد رجالات البحرين البارزين الذين خدموا وطنهم بإخلاص وتفانٍ على مدى عقود، وترك بصمة واضحة في مسيرة التطوير الحكومي والاقتصادي، لاسيما قطاعي الكهرباء والماء اللذين يعدان من أكثر القطاعات حيوية في مملكة البحرين، فقد كان أول مهندس كهربائي مع زميله المهندس جميل كاظم العلوي، الذي كان أول مهندس ميكانيكي، يلتحقان بإدارة الكهرباء قبل أن تتحول إلى وزارة الكهرباء والماء، وعملا بالتزام وجد وشغف ومسؤولية لإثبات كفاءة المهندس البحريني أمام المهندسين الأجانب، وفتحا بذلك المجال في الوزارة أمام كثير من المهندسين البحرينيين بفضل دعم القيادة الحكيمة والوزير الأسبق للأشغال والكهرباء والماء السيد ماجد جواد الجشي، الذي يعتبر أول مهندس يتخرج من الجامعة الأميركية في الهندسة المدنية بالعام 1955. 
بدأ الفقيد حياته العملية في العام 1970، مهندسا في دائرة توزيع الكهرباء، واكتسب خبرة واسعة من خلال العمل الميداني والاحتكاك المباشر بالمستهلكين والمشروعات التطويرية، وتدرج في المناصب ليُعين مديرا لدائرة توزيع الكهرباء بالعام 1977، ثم مديرا عاما للكهرباء في الثمانينات، وصولا إلى وكيل وزارة مساعد لشؤون الكهرباء في التسعينات، وفي العام 1995، صدر مرسوم أميري من قبل حضرة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، بتعيينه وزيرا للكهرباء والماء، وهو المنصب الذي شغله حتى العام 1999، وحينها أشرف على الكثير من مراحل تطوير البنية التحتية في البلاد، وكان أحد رواد تحديث وتطوير الكهرباء والماء، حيث عاصر الفقيد خلال مسيرته العملية، فترة الطفرة في جميع المجالات ومنها المشاريع العمرانية والصناعية في البلاد والمنطقة، والتي واكبها ارتفاع إنتاج الكهرباء والماء وتوسعة خطوط توصيل الكهرباء والماء خلال السبعينات من القرن الماضي، حيث ارتفع إنتاج الكهرباء من عشرات الميغاوات إلى آلاف الميغاوات، لتصل الزيادة في الطلب إلى أكثر من 15 % سنويا في بعض الفترات، رغم أن التقديرات القياسية المتعارف عليها لا تتجاوز  5 % إلى 7 % سنويا، وكما شارك في تنفيذ مشاريع إيصال التيار الكهربائي إلى مختلف مناطق وقرى البلاد وجزيرة النبيه صالح التي تم ربطها بالشبكة الرئيسة عن طريق كابل بحري.  
وخير ما أختم به مقالي عن الفقيد، الذي عرف عنه الهدوء والوقار والتواضع والمساعدة وحب الخير وأسلوبه المميز في التعامل مع الناس، ما ساهم في أن يترك بصمات مميزة في كل مكان تواجد فيه، وجعل ذكراه محبوبة عند كل من عرفه، ما جعلنا نتحسر على فقده حين وداعه ودفنه في قبره بعيون ملأى بالدموع وكأنها قطرات من مطر منهمر، ولكننا نعزي أنفسنا، بأنها مشيئة الله سبحانه وتعالى، ونقول كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام عند وفاة ابنه إبراهيم:
“إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك (يا إبراهيم) لمحزونون”. 
ونقول كما قال المتنبي عن الموت:
وما الموت إلا سارق دق شخصه
يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
نبكي لموتــــــــــانـــــــــا على غير رغب
تفوت من الدنيــــــا ولا موهب جزل..
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يدخله فسيح جناته، ويلهم أهله وأقاربه ومعارفه ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية