
تستعد مملكة البحرين لمرحلة جديدة من تعزيز علاقاتها الوثيقة مع اليابان، مع الزيارة الرسمية المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى طوكيو.
وتأتي هذه الزيارة امتدادًا للمسار الذي أرساه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، خلال زيارته التاريخية إلى اليابان في أبريل 2012، والتي مثّلت حينها محطة بارزة في مسيرة العلاقات الثنائية.
واليوم، تعكس زيارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إصرار البحرين على البناء على ما تحقق، والمضي قدمًا نحو شراكات أوسع في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية، بما يعزز مكانة البلدين في الإقليم والعالم، وبخاصة أن اليابان تُعد من أهم القوى العظمى الآسيوية.
بداية العلاقة والزيارات

بدأت العلاقة بتصدير أول شحنة نفطية إلى اليابان في سنة 1934 عقب اكتشاف النفط في البحرين عام 1932. واعترفت اليابان بدولة البحرين في 24 أغسطس 1971، وأقيمت العلاقات الدبلوماسية في 2 مايو 1972. وزارها المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في أكتوبر 1991 في زيارة خاصة. كما زارها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين في أكتوبر 2008 في زيارة رسمية، وزارها معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزير الخارجية السابق في فبراير 2008، وزارها عدد من المسؤولين في أوقات مختلفة لتوطيد أواصر الصداقة والتباحث في الأمور الاقتصادية والسياسية ذات الاهتمام المشترك. وقد أكد المسؤولون اليابانيون موقفهم تجاه القضايا العربية والفلسطينية، وأثنوا على كثير من الجهود التي قامت بها مملكة البحرين.
واستقبل صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمين وفدًا من البنك الياباني العالمي برئاسة السيد هيروشي واتانابي الرئيس التنفيذي لبنك اليابان للتعاون الدولي في سنة 2009، وكان هناك اهتمام مشترك للبلدين بزيادة الشراكة والتعاون، مما شكّل قاعدة متينة للمشاريع والاستثمارات المشتركة. كما استقبل سعادة الدكتور عبدالحسين بن علي ميرزا وزير شؤون النفط والغاز ورئيس الهيئة الوطنية للنفط والغاز آنذاك وفد البنك الياباني العالمي، ووقّع السيد عارف صالح خميس وكيل وزارة المالية آنذاك مع وفد البنك مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجالات اقتصادية.

العلاقات المميزة
كم هو جميل ومفيد أن نبادر مع أصدقائنا اليابانيين إلى ترسيخ هذه العلاقات المميزة والبدء في شراكة اقتصادية وصناعية ومالية تساهم في إنشاء قواعد صناعية مهمة في مملكة البحرين وفي دول المنطقة، بتقنيات حديثة تحافظ على البيئة وتنتج صناعات نوعية يحتاجها السوق العالمي، ولها مردود مالي عالٍ.
كما يمكن جعل العلاقة شراكة وتكاملًا اقتصاديًّا واستراتيجيًّا، نظرًا لاعتماد اليابان الكبير على النفط والغاز من المنطقة.
ومن المهم كذلك تعزيز التبادل الاستثماري والأكاديمي والثقافي والتعليمي والتكنولوجي، حيث إن النظام التعليمي الياباني عريق وتخصصاته تجذب طلابًا من دول مجلس التعاون، وقد سبق لبعض طلبة البحرين الدراسة في اليابان.
كما يمكن للبلدين أن يقدما نشاطات لإبراز ثقافاتهما وعاداتهما العريقة، إضافة إلى إعداد ملتقى دوري بين التجار ورجال الأعمال والدبلوماسيين لمناقشة القضايا التي تهم الشعبين الصديقين وشعوب المنطقة.
أحداث مشوقة
من الضروري أن توثّق الجهات المختصة بداية العلاقات مع اليابان، إذ تشير المعطيات إلى أن التبادل التجاري بدأ منذ مطلع القرن العشرين بقيام بعض التجار باستيراد الأقمشة وتصدير اللؤلؤ الطبيعي، قبل أن يؤثر الكساد العالمي الكبير في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي على المهنة، بالتزامن مع ظهور اللؤلؤ المستزرع الياباني، مما انعكس سلبًا على اقتصادات المنطقة، وخاصة البحرين التي كانت تعتمد على الغوص وتجارة اللؤلؤ.

هذه العلاقات التاريخية دفعتني إلى إلقاء الضوء على بعض المحطات المثيرة:
- استوردت اليابان قبل نحو ثلاثمائة سنة بعض الخيول العربية.
- زار اليابان مبعوث للسلطان عبد الحميد بن عبدالمجيد يُدعى محمد علي سنة 1902 وكان يخطط لبناء مسجد في يوكوهاما. كما زارها الضابط برتو باشا مبعوثًا من السلطان لمراقبة الحرب اليابانية الروسية (1904 / 1905) ومكث سنتين وقابل الإمبراطور وألّف كتابًا من جزأين باللغة التركية.
- بعد الحرب الروسية اليابانية، ذاع صيت اهتمام اليابان بالإسلام، مما حفّز المسلمين على نشره فيها.
- ذكر الأديب عباس محمود العقاد أن انتصارات الجيش الياباني على الروس أبهرت بعض الضباط المصريين فتطوعوا في الجيش الياباني وتزوجوا يابانيات؛ عاد بعضهم إلى مصر وبقي آخرون في اليابان.
- زار الداعية الهندي سرفراز حسين اليابان أواخر 1905 وألقى محاضرات في ناغاساكي وطوكيو. كما بُني أول مسجد في أوساكا للأسرى المسلمين الروس سنة 1905.
- زار الداعية التتري عبدالرشيد إبراهيم اليابان سنة 1909 وتوفي فيها سنة 1944. وفي 1933 زار القاهرة، وأكد أن الإمبراطور ميجي أرسل رسالة إلى السلطان عبد الحميد يطلب فيها تعارف الشعبين. وقد زار الأمير ماتسو إسطنبول، كما وصلت السفينة العثمانية «الطغرل» إلى اليابان، لكن عاصفة أغرقتها عام 1890، وقام اليابانيون بجمع التبرعات للضحايا.
- يوجد اليوم قرابة 100 ألف مسلم ياباني، ويُقدر عدد المهتمين بدراسة الإسلام بنحو 400 ألف شخص. وكان عمر ميتسو تارو ياماكا أول حاج ياباني يؤدي فريضة الحج عام 1909. ومن أوائل الدعاة في اليابان الشيخ الأزهري علي أحمد الجرجاوي الذي وصلها سنة 1906 وألف كتاب «الرحلة اليابانية».

- الياباني عمر ميتا ترجم القرآن الكريم إلى اليابانية، وكان مقيمًا بمكة.
- عبد الحليم أوشاتارو نودا، أول مسلم ياباني، أسلم عام 1891 في إسطنبول.
- توري جيوروا يامادا، ثاني مسلم ياباني، عاش في تركيا 18 عامًا ولعب دورًا في تعزيز العلاقات الإسلامية اليابانية.
- أحمد أريحا، ثالث مسلم ياباني، أسلم في الهند وساهم في تعريف مواطنيه بالإسلام.
- محمد بركة الله البهوبالي، داعية وسياسي هندي، أسس كرسي الدراسات الإدارية بجامعة طوكيو وأسهم في إصدار مجلة «الأخوة الإسلامية».
- حسن هاتانو، صحفي ياباني، أسلم عام 1911.
- تاكيشي سوزوكي، أسلم في إندونيسيا، التقى الملك عبد العزيز آل سعود وأدى الحج ثلاث مرات، وألف كتاب «ياباني في مكة»، وتوفي خلال قصف أميركي عام 1941.
- اعترفت اليابان باستقلال مصر عام 1922، وأنشأت مفوضية بالقاهرة 1936، وتبادلت السفارات بعد الحرب العالمية الثانية.
- بدأت العلاقات السعودية اليابانية رسميًا عام 1955، وتبادلت السفارات لاحقًا.
- زار التاجر عبدالحميد خنجي اليابان قبل الحرب العالمية الثانية وأقام فيها حتى انتهائها. وزارها علي القطان في أواخر الخمسينيات. كما كان يوسف خليل المؤيد وإبراهيم خليل كانو من أوائل مستوردي السيارات اليابانية عام 1963.
- في البحرين، أسس الوجيه مبارك بن جاسم كانو جمعية الأعمال والصداقة البحرينية اليابانية، التي يترأسها اليوم ناصر العريض.
- أخبرني السيد أندو كومار باتيا أن والده برشوتام داس أقام في البحرين عام 1922 وأسس شركة «سي تريكمداس»، وعاد عام 1942 بعد أن صدّر بلاط السيراميك من اليابان، ثم استأنف الاستيراد بعد الحرب. كما حصلت العائلة على وكالات يابانية بارزة مثل «ياسا» و«هوندا» عام 1963.
حادثة مضحكة
سمعت في صغري عن حادثة طريفة يتداولها الناس، وتأكدت من الأخ نبيل أجور أنها واقعة حقيقية حدثت لعمه المرحوم إبراهيم أجور، الذي كان يتاجر في الأقمشة الإنجليزية المشهورة آنذاك، ويستورد بعض الأقمشة اليابانية عبر وسيط هندي في البحرين يُدعى جوكاني، شقيقه مقيم في اليابان ومتزوج من يابانية.
زار إبراهيم اليابان في أوائل الستينيات، وخلال إحدى الزيارات طلب من مندوب ياباني أن يصنع «العقال» العربي.
كان شائعًا آنذاك ارتداء العقال الأسود لعامة الرجال، والأبيض للوجهاء وكبار السن.
لكن المندوب الياباني صنع عقلًا بألوان متعددة، معتقدًا أن ذلك سيزيد رواجها، إلا أن المحاولة لم تلق نجاحًا، ولم يتمكن إبراهيم من بيعها.
* كاتب بحريني وعضو مجلس إدارة غرفة البحرين