ما سر صورة "ملكة الجريمة" أغاثا كريستي في العراق وسوريا؟
تداول ناشطون ومؤرخون صورة فوتوغرافية نادرة تعود لحوالي عام 1950، تظهر فيها الروائية البريطانية الشهيرة أغاثا كريستي، الملقبة بـ "ملكة الجريمة"، وهي تستمتع بفنجان من الشاي على شرفة المدرسة البريطانية للآثار في العاصمة العراقية بغداد.
الصورة ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي نافذة على فصلٍ مجهول نسبياً من حياة واحدة من أكثر الكاتبات مبيعاً في التاريخ؛ فصلٌ قضت فيه سنوات طويلة في الشرق الأوسط، وعاشته بكل تفاصيله، من صحارى العراق إلى شوارع حلب ودمشق العتيقة .
لم تكن زيارة كريستي للشرق مجرد رحلة سياحية. فبعد طلاقها الأول الذي ترك أثراً عميقاً في نفسها، قررت أغاثا خوض مغامرة العمر على متن قطار الشرق السريع الشهير (Orient Express)، كانت هذه الرحلة بمثابة هروب من واقعها، وبحث عن إلهام جديد.
في موقع أور الأثري جنوب العراق، التقت بالصدفة عالم الآثار ماكس مالوان، اللقاء الذي بدأ بفضول متبادل سرعان ما تحول إلى قصة حب، وتزوجا في عام 1930، كان مالوان يصغرها بـ 14 عاماً، لكن فارق السن لم يمنعهما من بناء حياة مشتركة غنية بالمغامرات والاكتشافات .
على مدى عقود، مكثت كريستي مع زوجها في العراق وسوريا، متنقلة بين مواقع التنقيب في نينوى ونمرود وأرابا (كيركوك حالياً) في العراق، ورأس شمرا (أوغاريت) وتل حلف في سوريا .
لم تكن كريستي مجرد زوجة مرافقة لزوجها؛ بل كانت شريكة حقيقية في العمل الميداني. انخرطت في أعمال التنقيب، وقامت بتنظيف القطع الأثرية الثمينة، وحتى استخدام كريم الوجه لحماية الألواح الطينية الحساسة، وثقت كريستي هذه التجارب بتفاصيل دقيقة وممتعة في سيرتها الذاتية (Come, Tell Me How You Live)، مقدمةً صورة حية للحياة اليومية لعلماء الآثار في ثلاثينيات القرن الماضي .
كانت هذه التجارب هي المنجم الذهبي لرواياتها البوليسية. ألهمتها الأجواء الغامضة للمواقع الأثرية، والشخصيات المتنوعة التي التقت بها، لكتابة عدد من أشهر أعمالها، بما في ذلك:
"جريمة قتل في بلاد الرافدين" (Murder in Mesopotamia): التي تدور أحداثها في موقع تنقيب أثري وتستعرض التوترات بين فريق العمل [2, 3].
"جاءوا إلى بغداد" (They Came to Baghdad): رواية تجسس ومغامرات تتنقل بين معالم العاصمة العراقية.
"جريمة قتل على متن القطار السريع" (Murder on the Orient Express): الفكرة الأيقونية لهذه الرواية ولدت من رحم تجربة شخصية؛ فخلال إحدى رحلات عودتها من مواقع التنقيب، علق القطار الذي كانت تستقله في الثلوج لعدة أيام بالقرب من الحدود التركية.
تظل الصورة النادرة لكريستي في بغداد شاهداً على علاقة حب فريدة، ليس فقط بين شخصين، بل بين كاتبة عبقرية وتاريخ حضاري عريق وجد طريقه إلى صفحات الأدب العالمي.
