تولَدُ أفضل القوانين والسياسات من رحم المعاناة والمآسي، وانطلاقًا من باب المسؤولية علينا ألا نطوي شهر أكتوبر دون أن نقف على المأساة التي حدثت بفقدان الطفل حسن المحاري، والتي تتكرّر عامًا تلو الآخر لتسرق منا صغارنا فلذات أكبادنا، لذا علينا أن نتشارك المسؤولية المجتمعية والإنسانية باقتراح حلول تسهم في الحد من هذه المشكلة.
في هذه الحوادث ضحايانا هم الأطفال في الحضانات أو سنوات المدرسة الأولى، هو الطفل الذي لا يستطيع - بقدراته العقلية والجسمية المحدودة - أن يحلّ بعض المشاكل التي قد يقع فيها. كما قد يغفل السائق عن اكتشافه لصغر حجمه، ولكن هذا لا يبرّر أيّ تهاون أو تقصير من العاملين والمرافقين في مجال توصيل طلبة رياض الأطفال والمدارس، ولا يبرّر أيضا لجوء الأولياء إلى أشخاص غير مرخّص لهم لتوصيل أبنائهم. لذا وجب أن نضع أيدينا على الجرح حتّى نضمده، ولا يتحقّق ذلك إلا بفهم الحاجات والظروف وتطويعها لتحول دون تكرار خطر يهدد حياة الأطفال الأبرياء ويمسّ حقوقهم. للحَدّ من هذه الحوادث علينا أن نفهم التحديات التي تحول دون قدرة الآباء على توصيل أبنائهم إلى المدرسة؛ إذ لا يختلف وقت دوام المدارس في البحرين عن دوام الوظائف الحكومية وبعض وظائف القطاع الخاص. لذلك يتعذّر على الآباء توصيل أبنائهم ويضطرّون إلى حلول بديلة تهدر الجهد والمال كاللجوء “للوصلات” أو الحافلات أو استقدام عمالة إضافية (سائقين أو مُساعِدات)، كما تضرّ بالبيئة؛ ذلك أنّ التعليم المبكر غير الإلزاميّ لا تتوافر فيه المواصلات المجانية الحكومية، وأغلب هذه الحوادث تقع صباحًا، حيث يتوفّى الطفل نتيجة نسيانه في المركبة وهو في غفوة من النوم.
لذلك نناشد الحكومة الرشيدة والمجلس الأعلى للمرأة السّبّاق دائمًا إلى تبنّي القضايا التي تدعم المرأة والأسرة والطفل، والجهات المعنية بالطفل والجهات التشريعية، دراسة مدى إمكانية تبني المرونة في أوقات العمل ومنح استثناءات لأحد الأبوين للتمكّن من توصيل الأبناء، بالتوازي مع الالتزام بوقت العمل، على أن تحدد التشريعات فئة الأطفال الذين يستحق معهم أحد الأبوين تلك الرخصة الاستثنائية.
وهذه السياسات والقوانين تتبنّاها العديد من الدول الأوروبية كالسويد والدنمارك وفنلندا، كما بادرت دولة الإمارات العربية المتّحدة إلى اعتماد المرونة أو تخفيف ساعات العمل لحالات إنسانية محدّدة كالعناية بأطفال صغار أو رعاية كبار السن، وأخيرا وليس آخرا أطلقت دولة قطر حملة “وصّل عيالك”.
وتعكس هذه النماذج وعيا أصيلا ومتقدّما بأهمية الأسرة في استقرار المجتمع، وتؤكد أنّ تمكين الآباء من بعض الوقت لتوصيل أبنائهم والاطمئنان على سلامتهم، لا يتعارض مع مصلحة العمل ولا يقلل من إنتاجية الموظّف، بل يعزّزها ويوفّر أريحيّة واطمئنانا نفسيا للآباء والأبناء. وكلّنا ثقة أنّ البحرين كانت ولا تزال سبّاقة في الأخذ بما ينفع العباد والبلاد.
كاتبة بحرينية وباحثة قانونية