العدد 6219
الجمعة 24 أكتوبر 2025
ورثة يدّتي
الجمعة 24 أكتوبر 2025

الغائب الحاضر هو شخص مهما طال غيابه تشعر بوجوده، تستحضر كلماته ومواقفه وملامحه، هكذا كانت جدتي لأمي فاطمة محمد سند العازمي (أمّ سلمان) منذ أن وافتها المنية في 3 يوليو 2024م.. ظلّت أقوالها تجري على لساني من دون أن أشعر، وأحيانًا أبتسم عندما أستذكر ردود أفعالها القوية التي لا تخلو من فكاهة في الآن ذاته، أشعر بأنسها في الأماكن التي كنا نرتادها سويًا صباح كل سبت. كانت رحمة الله عليها تنتظر إرثا لها من دولة الكويت، وكانت تحدّثني عنه من حين إلى آخر، ولكن لم يكتبه الله لها. اليوم أسأل الله أن يجزيها عنا خير الجزاء؛ فلقد  استُحِقّت التّركة، ووُزّعَت على أبنائها وأحفادها.. تركة أنفس بكثير من تلك التي طال انتظارها ولم تأت.

أم سلمان جدتي تشبه معظم أمهات البحرين (مال الزمن الأوّل) في قوة البأس، وسداد الرأي، والجلد، والصبر والإنصاف وعدم اللين في التربية، وهو ما صقل أبناءها وأحفادها وجمعهم على المحبة وصلة الرحم، وإن كنت أنسَى، لا أنسى كلماتها: “القلب اللّي يودّينا مو الريول” لتحثّنا على أنّه مهما بعدت المسافات وكلّفنا الوصل ولمّ الشمل من مشقّة فإنّ القلب يذلّل تلك الصعاب مادامت غايتنا صلة الرحم. وكانت لابنها البكر سلمان معزّة خاصّة لما يتحلّى به من دماثة أخلاق وكرم وطيبة وثقافة؛ فقد قام بدور الأب مع الأسرة بأكملها.

وقد ورثنا جميعاً عنها حبَّها له، فكما يقال “الخال خلي”، وإثر وعكة صحيّة ألمّت به في الفترة الأخيرة، تجلّى ذلك الإرث التي تركته بيننا في أسمى معانيه، والتفّت العائلة حول الخال سلمان، فأدركتُ أن ما يجمع الإخوة من مشاعر ودعوات وفزعات صادقة في الشدة والضرّاء هو الإرث الحقيقي الباقي وما دونه زيفٌ فانٍ.

لكن للأسف، يحصر الكثيرون مفهوم الإرث في الثروة المادية، حتّى أنّ الأوّلين من آبائنا وأجدادنا يصفون أية مجموعة بينهم خصومة شديدة بالقول: “كأنّ بينهم مالٍ ما انجسم” أي كأنهم أشقاء أو إخوة وأهل لهم تركة لم توزّع ولم تُقسَم بينهم، وصارت في الغالب وبالا عليهم؛ فقطّعت أواصرهم وأورثتهم غمًا وعداوة.. إلا من رحم ربي.

نعم رأيتُ إرث يدّتي بيننا: لـمّتنا وتعاضدنا جميعا، أبناءها وأحفادها، لقد تركت لنا الإرث الثمين الخالد: الود والرحمة والتواضع والانسجام بين الإخوة.. إرث لا يُقدّر بثمن.

* كاتبة بحرينية وباحثة قانونية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .