تظل مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة أثمن الوجهات لكلّ مسافر؛ فهما منية كلّ مسلم والوجهتان اللّتان لا يخسر قاصدهما أبدًا، بل يسترجع كل ما أنفقه من مال أو جهد بركةً في حياته. فضيوف مكة المكرّمة تأتي بهم قلوبهم استجابة من الله لدعوة النبي إبراهيم عليه السلام: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)، والمدينة المنوّرة فيها قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم والروضة الشريفة، وكل شبر فيها يذكرنا بسورة نزلت أو موقف من سيرته العطرة (ﷺ) وسيرة صحابته رضوان الله عليهم.
ولطالما ثمنّا دور المملكة العربية السعودية في العناية بضيوف الرحمن عند زيارة الحرمين الشريفين، لكن ما شهدته في زيارتي الأخيرة من تنظيم وتطوّر رقمي يستحقّ الوقفة والإشادة؛ فعبر تطبيق “نسك” يكون التسجيل للحجّ والعمرة، وحجز موعد لزيارة الروضة الشريفة، مع باقة أخرى من الخدمات. وبالرغم من عدد الزائرين الهائل فإنّ رجال ونساء الأمن لم يدخروا جهدًا في تنظيم خطوط سير المعتمرين وتوجيههم نحو الأبواب الخاصة بهم. ويقدم تطبيق “تنقل” خيارات من العربات وسيارات القولف التي تتلاءم مع احتياجات كبار السن وذوي الهمم، ما يخفّف المشقة عليهم ويساعدهم على تيسير أداء مناسك العمرة. كما استوقفني سقيا زمزم في الحرم بحلّته الجديدة الإلكترونية التي تعمل بخصائص الاستشعار لملء الأكواب، وعلى ارتفاع مدروس لا يتطلّب انحناء للشرب، فضلًا عن وجود آلات إلكترونية تطبع أساور للأطفال فيها بيانات الأبوين حمايةً من الضياع.
كما يَسّر تطبيق “قطار الحرمين” حجز الرحلة من مكّة إلى المدينة فضلًا عن الخدمات الراقية في المرافق الصحيّة ونظافة محطات القطار والمقطورات والخدمات المساندة التي تجعل المسافر حرفيًا في “دلال” لا يتوافر في أية بقعة في العالم إلا في المملكة.
كاتبة بحرينية وباحثة قانونية
أمّا الزيارة المنتظرة لكلّ قلب صادق ملهوف فهي زيارة الروضة الشريفة ثمّ السلام على أشرف خلق الله (ﷺ)، فقد ولّت خلالها مظاهر التدافع والازدحام، وحلّ محلّها التنظيم الدقيق الذي لم يكتف بتقسيم الزوّار إلى مجموعات، رجالا ونساءً، وعلى فترات متفرّقة منتظمة طوال اليوم، إنّما مكّن الزائرين من آليات دخول سلسة تحول دون أيّ تعطيل، وتعطي الأولوية إلى كبار السنّ وذوي الهمم وأصحاب العربات، بالإضافة إلى توفير مرافق للعناية بالأطفال لبقائهم فيها لفترة محددة في المسجد النبوي الشريف.
وشهدنا آثارا واضحة لجهود جبّارة بُذِلت ولا تزال من أجل “أنسنة” المدينة المنورة وتقديم أفضل الخدمات للزائرين، من ذلك تعدد أنواع وسائل النقل بين المواقع؛ إذْ يمكنك المشي في ممشى قباء “جادة قباء” بين الأشجار، أو التنقّل بسيارات جولف صغيرة مكيّفة بأسعار رمزية، أو بسكوترات بين مسجد قباء وجبل أحد.
أخيرًا، وأمّا بنعمة الأمن فحدّثْ؛ فقاصد الحرمين الشريفين ينعم بالأمن النفسي والجسدي معًا، ويعود الفضل في ذلك أولًا لله سبحانه تصديقًا لقوله الكريم (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا)، ومن بعده إلى المملكة التي نقف لها ولقيادتها الحكيمة وقفة إجلال وتقدير؛ فهي لا تدّخر وسعا في توفير الأمن في الحرمين حتّى اختفت بعض مظاهر الاعتداء والسرقة والضياع التي كنا نراها سابقا أو كادت. فجزاكم الله عن المسلمين خير الجزاء.
كاتبة بحرينية وباحثة قانونية