العدد 6216
الثلاثاء 21 أكتوبر 2025
العدو الصامت
الثلاثاء 21 أكتوبر 2025

في زحمة عالمنا الرقمي المتسارع، لم تعد غرف الأطفال وملاذاتهم الآمنة بمنأى عن الأخطار. فهناك عدو خفي، يتسلل بصمت عبر الشاشات، متنكّرًا في هيئة لعبة أو رسالة.. إنه التنمر الإلكتروني، واقع مؤلم يعيشه الأطفال والمراهقون يوميًا، يترك وراءه جراحًا نفسية غائرة، قد لا تُرى بالعين، لكنها تئن في الداخل.
يظهر هذا العدو بأوجه متعددة: رسائل جارحة، صور مهينة، تعليقات تسخر، أو حتى تهديدات مبطنة. يتسلل من خلف الشاشة ليزرع الخوف، ويُربك الثقة، ويُحدث شرخًا في نفس الطفل يصعب ترميمه. وما يزيد الأمر تعقيدًا، أن معظم الضحايا لا يعرفون كيف يواجهونه، ولا يملكون الأدوات النفسية أو العاطفية لمقاومته، فيدخلون في دوامات من القلق، الحزن، وربما الاكتئاب والعزلة الاجتماعية. وكشفت دراسات حديثة عن مفارقة خطيرة: كثير من الآباء يظنون أن أبناءهم “في أمان” طالما بقوا داخل المنزل، خلف الشاشات. لكن الحقيقة أن الشاشة ذاتها قد تكون بابًا مفتوحًا للضرر، حيث يتسلل المتنمر الإلكتروني بلا ضجيج، يعبث بثقة الطفل، ويترك آثارًا غير مرئية على صحته النفسية.
لذلك، فإن الوعي المبكر هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الخطر الصامت. وينبغي أن تكون المدارس والمناهج التعليمية شريكًا أساسًا في هذه المعركة، عبر تضمين برامج توعوية متخصصة، تُنمي لدى الطلبة المهارات الرقمية، وتعزز قدرتهم على التفاعل الواعي والمسؤول، وتُعلّمهم كيفية الإبلاغ عن أي سلوك مؤذٍ، دون خوف أو تردد.
كما أن للتكنولوجيا نفسها دورًا في الحماية، من خلال أدوات الحظر، والمراقبة، وتحديد الخصوصية، لكن يبقى الدعم الأسري الأساس. فالحوار المفتوح، والاحتواء، والتوجيه المستمر، درع نفسي يحصّن الطفل من الداخل، ويمنحه الثقة لمواجهة ما قد يعترضه في عالم الإنترنت. ولا نغفل حقيقة أن الأطفال يتعلّمون بالسلوك لا بالكلام، فإذا رأوا الكبار يتعاملون باحترام وأدب ومسؤولية في فضاء الإنترنت، فإنهم حتمًا سيحذون حذوهم. فليكن الآباء والمربون قدوة رقمية، وليتذكر الجميع أن التنمر الإلكتروني، وإن بدا صامتًا، إلا أن أذاه مدوٍّ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .