العدد 6215
الإثنين 20 أكتوبر 2025
الخطاب الديني وسيكولوجية الجماهير
الإثنين 20 أكتوبر 2025

خلال العقود القليلة الماضية، انحرف دور بعض رجال الدين في المنطقة عن مفهومه القائم على الوعظ والإرشاد الفقهي، إلى محاولة التأثير على الجماهير لمصالح معينة عبر توظيف ذلك كأداة لتحقيق مكاسب سياسية. هذه الظاهرة الخطيرة، التي غزت الكثير من دول المنطقة لم يجرؤ كثير من المفكرين العرب على التصدي لها خشية الاغتيالات الجسدية والمعنوية، بعد أن وجد بعض رجال الدين البيئة الخصبة لبسط نفوذهم، لاسيما في مجتمعات تُقدس فيها آراء أصحاب المنابر لتصبح بمثابة وصايا على حياة الناس.
يقول عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، في هذا السياق، إن الجماهير “لا تفكر بل تشعر”، وهي أيضًا “لا تستدل بل تُقاد بالإيحاء”، ما يسهل التأثير عليها عبر الخطابات العاطفية والشعارات البسيطة التي تخاطب الوجدان لا العقل. وهنا، يدرك بعض رجال الدين هذا الواقع؛ فيتحول المنبر من أداة للتنوير وإصلاح علاقة الناس بربهم إلى وسيلة للهيمنة والسيطرة، وهذا بدوره يسهل على بعض رجال الدين تحريك الحشود نحو مصالح سياسية أو مواقف اجتماعية تخدم الشخص نفسه أو الجماعات التي يدينون لها بالولاء. وهكذا، فإن من يستطيع إيهام الجماهير يصبح سيدًا لهم، ومن يحاول إزالة الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم، كما يؤكد العالم الفرنسي لوبون.
مؤخرًا، تحول رجل دين بارز - لشخصه كامل الاحترام - إلى محلل سياسي؛ فانتقد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء حرب غزة باعتبارها استسلامًا كاملًا لحركة حماس، لكنه في ظرف ساعات عاد لينقلب على رأيه ويصف قبول الحركة الفلسطينية بالخطة بأنه قرار حكيم.


مثل هذه المواقف السياسية المتناقضة هي انحراف تام لدور رجل الدين في المجتمع، وتقوم على أساس توظيف ذلك كأداة سيطرة على العقول.
لقد دفع كثير من المفكرين العرب حياتهم ثمنًا لمحاولة تحرير عقول الناس من سطوة آراء رجال الدين السياسية، فمن الفيلسوف اللبناني وابن حوزة النجف حسين مروة إلى المفكر المصري فرج فودة وغيرهم ممن قتلوا بسبب ممارستهم التنوير، ولطالما أكدوا على القيم الروحية والأخلاقية للدين، لكنهم رفضوا تحويله إلى سلاح سياسي.
إن الإشكالية في هذا الإطار، تكمن في العقول التي لا تجرؤ على الشك ومحاولة فهم الواقع كما هو، فمتى ما حرر الإنسان عقله من الآراء الدنيوية التي ترتدي ثوب القداسة وغرس فيه روح النقد والتساؤل الحر، فإن تلك الوظيفة السامية ستعود لموقعها الطبيعي. 


كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .