تمثّل محاولة استهداف الكيان الإسرائيلي للوفد الفلسطيني المفاوض في الدوحة منعطفا مربكا وبدلالات خطيرة على جهود السلام كلّها، بل لعلّه استهداف مباشر للمفاوضات في ذاتها، ومحاولة جديدة لتصفية جهود السلام الدولية من خلال انتهاك السيادة الوطنية لدولة شريكة في عملية المفاوضات ولاعب أساسي في تقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع، وهو ما لم تقبل به معظم حكومات العالم ونددت به العديد من الدول والمنظمات.
قد يكون من الصعب التحليل والكتابة على رمال متحركة في هكذا سياق إقليمي ودولي، لكن الأكيد أن العديد من الرسائل وصلت، وأولى هذه الرسائل أنّ يد البطش الإسرائيلي هي يد ترتع في العالم العربي دون ردع؛ فخلال 24 ساعة قصف كيان الاحتلال الدوحة ودمشق والبقاع اللبناني وغزة وقبل أيام صنعاء، مع شبهة استهداف سفينة من أسطول الصمود المناصر لغزة في أحد الموانئ التونسية. وثاني هذه الرسائل ما توجّه بسرعة الصواريخ إلى العواصم العربية والإسلامية، وإلى كل من يفكر في احتضان المقاومة الفلسطينية وفتح مكاتب لها على أراضيها: حدودكم مستباحة ومجالكم مخترق وسيادتكم تأتي بعد أمن إسرائيل. هكذا تحدّثت طائرات العدوّ، وهكذا استمع كل من تابع هذه العملية العسكرية النوعية على الدوحة.
رسالة استفزاز أخرى لكن إلى الداخل الإسرائيلي وتحديدًا المتظاهرين ضد حكومة نتنياهو والمطالبين بعقد صفقة من أجل استرجاع من بقي من أسراهم حيًّا أو ميْتا؛ إذ إنّ هذه العملية ستعمّق الهوة بين الكيان من جهة، وحماس والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، وتقضي على ما بقي من فرص تحقيق اتفاق سلام لاستعادة الأسرى ووقف العدوان على غزة خصوصا، وعلى الضفة الغربية والأراضي المحتلة عموما.
ليس هذا فحسب، بل استفزّ قصفُ جهود السلام في الدوحة الرأيَ العام الغربي والعالمي وبعث رسالة تحدٍّ قوية لموجة الرفض العالمية لإسرائيل ونضالات المنظمات والشعوب الحرة ضدها، واستهزأ بكل المطالبات الشعبية لإيقاف العدوان على غزة، وإرساء السلام في المنطقة.
كما أحرج هذا القصفُ غير المسبوق لدولة حليفة للولايات المتحدة الأميركية الراعيَ الرسميَّ للعربدة الإسرائيلية في المنطقة؛ فقد رأى الرئيس ترامب أنّ هذا القصف لا يخدم مصلحة إسرائيل، خصوصا مع ارتفاع أصوات المعارضين لسياسات نتنياهو وإفلات الكونغرس الأميركي من التأييد لإسرائيل، ولا مصلحة أميركا التي قد تفقد ثقة حلفائها الخليجيين فيها، وربّما يدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في جدوى هذه التحالفات.
بالرغم من هذه البلطجة والهمجية، فإنّ الكيان يعاني من مأزق وجودي وقع فيه منذ السابع من أكتوبر 2023، وقد أكّد فشل عملية الدوحة - في تحقيق هدفها المباشر - هزيمة إسرائيل الاستخباراتية، واستمرار عزلتها دوليا بعد التنديد العالمي بالعملية.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية