العدد 6163
الجمعة 29 أغسطس 2025
أطفال بلا مدارس
الجمعة 29 أغسطس 2025

كل عام والمدرسة بخير، كل عام والطفل المتعلم بألف خير، كل عام والمعلم شمعة تنير دروب الطلاب نحو الخير.. إنه موسم العودة المدرسية، نترقبه صغارا وكبارا بفرح وعلى الوجوه يرتسم الأمل، غير أنّ هذه الفرحة وهذا الأمل يغيب للعام الثالث على التوالي في قطاع غزة، تغيب مظاهر الاحتفال بموسم العودة المدرسية: في البداية فَقَدَ الأطفال الأمان للذهاب إلى المدارس، ثمّ غابت المدارس بعد أن تحوّلت إلى ملاجئ تُؤوي النازحين المشردين، ثمّ صارت هذه المدارس/‏ الملاجئ ركاما وأنقاضا بعد أن دمّرها القصف الهمجيّ. يغيب الطفل في غزة عن المدارس، لا لأنها مدمّرة، ولكن لأن هذا الطفل تحوّل، وهو بَعْدُ طفل، إلى رجل يكابد في طوابير الماء ليملأ وعاء بلاستيكيا، أو يجمع بعض بقايا الدقيق المتناثرة في مواقع توزيع أو نهب المساعدات التي لا تصل إلا بشق الأنفس، ولا تُوزَّع إلا بعد ذهاب الأنفس، ولا يصل منها إلى ذلك الطفل إلا وقد ضاقت نفسه وكره العالم والمنظمات الدولية التي خذلته.

نعم هكذا علّق مسؤولان أمميان مؤخرا، على فشل هذه المنظمات، وأعني وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، والمديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، وأضافا: “إن الكلمات تتضاءل أمام حجم المعاناة في غزة”. وقد أفادت كاثرين راسل بأنّ “الحقيقة البسيطة هي أننا نخذل أطفال غزة. ومن خلال أعينهم نرى فشلنا، وهو خيانة لحقهم في أن يكونوا أطفالا؛ أطفالا أصحاء وآمنين ومتعلمين”، ونبهت إلى أن التاريخ سيحكم على هذا الفشل بقسوة، مشيرة إلى أن أطفال غزة، مثلهم مثل الأطفال في كل أنحاء العالم، يستحقون السلام”.

وأفادت المديرة التنفيذية لليونيسف بأنّ العدوان على غزة خلال أشهر الحرب الـ 21 الماضية، أودى بحياة أكثر من 17,000 طفل وإصابة 33,000 آخرين، أي بمعدل 28 طفلا يُقتلون يوميا – أي ما يعادل فصلا دراسيا بأكمله.. وقالت “تأمل ذلك للحظة: فصل دراسي كامل من الأطفال يُقتلون كل يوم لمدة عامين تقريبا”، وهؤلاء الأطفال “يُقتلون ويُصابون أثناء وقوفهم في طوابير للحصول على الغذاء والدواء المنقذ للحياة”.. كما صرّحت كاثرين راسل.

باختصار، هي الإبادة على جميع الواجهات: إبادة المستشفيات وتدميرها من خلال الاستهداف المتعمّد للطواقم الطبية والإغاثية.. إبادة الصحافيّين والتضييق عليهم للانفراد بالصورة والخبر وفق رواية الاحتلال.. إبادة المدارس والمنشآت التعليمية، والمعلمين وحتى الطلبة، في محاولة لنزع واحدة من أبرز سمات المجتمع الفلسطيني بشكل عام، وفي قطاع غزة بشكل خاص، وهي أنّه الشعب العربي الأكثر تعليماً والأقل أمية.

 

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية